وقد رد السمين على أبي حيان وسابقيه المقدرين فعلًا رافعًا وقال: إن تلك الوجوه كلها متكلفةٌ، وعدّ رفع الملائكة عطفًا على الموضع، لأنه رفعُ فاعل لانحلاله إلى مصدرٍ مؤوّلٍ، على أن لعنهم أو أن يلعنهم الله، وهو يرى أيضًا أن العرب تجري المعطوف على موضع المعطوف عليه، [1] في كلامها من غير افتراضات ما، وهذه هي طبيعة التعامل اللغوي الذي لايذهب فيه المتكلم إلى احتكامٍ تأويليٍّ بل يجري على ظاهر لغته.
ومن المعطوفات التي اختلف فيها (المسجد) (- سبحانه وتعالى -) : {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [2] قرأ الجمهور (المسجد) بخفض دالهِ، وقُرِئَ شاذا بالرفع، [3] وفي القراءتين خلاف نحوي، عجَّ بتخريجاتِ النحويين المختلفة مذاهبَ وأفرادًا، وفي القراءة الأولى، أي؛ خفض (المسجد) خلاف بين النحاة، وأهم خلاف يتصدّرُهُ هو ما ظنه النحويون خلافًا مدرسيًا في العطف على الضمير المخفوض، فذهبوا فيه مذاهبَ تخريجًا وشاهدًا وتعليلًا، وقد أظهرنا ذلك في الفصل الثاني بما لا يحتاج إلى إعادةٍ وبيانٍ مبينين حقيقةَ الخلافِ فيه ونسبة الأقوال إلى أصحابها من مصادرها فاجتمع لدينا في هذا الأمر وجهان هما:
-المنعُ بصريٌّ في عطف الظاهرِ على المضمرِ المجرور.
-الاستقباحُ كوفيٌّ في عطف الظاهر على المضمرِ المجرور.
وكلا الفريقين متفقان في أن ذلك مظهرُ ضرورةٍ شعريةٍ محكومةٍ بالاضطرار، [4] أما في سعةِ الكلام فهو على الحكمين الآنفين، وهما لا يبتعدان في درجة الاستواء، فالقبح تستبعده الطبائعُ السليمةُ وتلجأ إلى سواه، كما أن خفضه بواوِ القسمِ مشارٌ إليه هُناك.
أما التخريجات الأخرى فمنها القول، بعطف (المسجد) على (سبيل الله) ، وهو قول المبرد والنحاس والزمخشري وابن عطية والأنباري والفخر، وقد جعله الأنباري ردًا من الردود على الكوفيين وحجةً من حججِ البصريينِ، فالعطف ليس على المضمر المجرور بل على (
(1) ينظر: الدر 2/ 196.
(2) البقرة: 217.
(3) ينظر: البحر: 2/ 155، الدر: 1/ 65، 2/ 393، الموسوعة: 4/ 342.
(4) ينظر: 316 من هذا البحث.