الجمهور أقوى من مخالفة أبي حيان له، فهو يرى أنها قراءة سائغة مقبولة، ويحسنها امران هما:
-شيوع الصفات شيوع الاسماء اتساعًا فيها فجرت مجرى الاسماء، كقولهم، اذا دُفن الشهيد صلت عليه الملائكة، ومنزلةُ الشهيدِ عند الله مكينةٌ، فحُسْنُ أمرُ الاضافة اليها حُسْنَها مع الاسماء.
-بعض الصفات أحسن من بعض وذلك لدلالتها على موصوفها فَحَسُنَ أمرُ قيامها مقام موصوفها ونيابتها عنه بخلاف غيرها التي لا تشير إلى موصوفها لعمومٍ فيها وعدم تخصيص. [1]
ولو قمنا بترجيح بين هذين العلمين فإننا نجد أن أقوال ابن جني في حالي القراءة أقوال قوية مسنودة بحجج العربية كسيبويه والمبرد، وذلك على النحو الاتي:
-إستكراهُ سيبويهِ جعل الصفة مكان الاسم لعدم قوة الصفة قوته.
-إقرار سيبويه بالاكتفاء بالنعت عن المنعوت في قولهم لخمسٍ بقيْنَ أو خلوْنَ، فالمقصود لِخمس ليالٍ بقيْنَ أو خلوْنَ.
-إقرار سيبويه بالحملِ على النية في قولهم: هؤلاء ثلاثة نسّابات، قال كأنه قد لفظ المذكّرِيْنَ، وأورد دليلًا على ذلك قوله (- سبحانه وتعالى -) : {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [2] وفيه اشارة الى اقامة الصفة مقام الموصوف الذي هو في حيِّز النية في حقيقة التركيب.
لذلك؛ فابن جني قوله مقبولٌ على وجهي توجيهه لكلًّ من القراءتين وأراه مسنودًا بما جاء عند سيبويه من إشاراتٍ لقبول قيام الصفة الشائعة مقام موصوفها، قال سيبويه:"وتقول ثلاثة دوابّ إذا أردت المذكر لأن أصل الدابة عندهم صفةٌ وانما هي من دببْت فأجروها على الأصل وإن كان لا يتكلم به أى: إلاّ كما يتكلم بالاسماء كما ان أبطح صفةٌ واستعملِ استعمال الأسماء" [3] ويبين سيبويه الوجه الآخر قائلًا:"الوصف [الذي لم يستعمل استعمال الاسماء] تقول [فيه] : هؤلاء ثلاثةٌ قرشيونَ وثلاثةٌ مسلمونَ ... هذا وجه"
(1) ينظر: المحتسب: 2/ 144، والمحرر الوجيز: 4/ 164.
(2) الأنعام 160،وينظر: الكتاب: 2/ 173 - 174، 175.
(3) م. ن: 174.