الصفحة 459 من 562

وللكوفيين أيضًا حججُهم التي ارتسمت معالمُها في كتاب الفراء، ومفاد تلك الحجج الاتي:

-دخول الفاء على {فَتَعَالَى} وعدم عطفها على {سُبْحَانَ اللَّهِ} استئناف ورفع.

-دخول الواو على {فَتَعَالَى} بدلًا عن الفاء في الافتراض وعطفها على سبحان الله اتباع وخفض، [1] .

والحجج متوافقة من حيث الاقرارُ بالفصل وتمام الكلام، والرفع، ولكن الحجج تختلف من حيث الأس القائم عليه الاحتجاج، فالبصريون معتمدون على نهاية الاية وتمام معناها واستقلال اللاحقة بمعنى جديد يفرض وجوهه الإعرابية المحكومة ببناه نفسها، اما الكوفيون فحجتُهم مرهونةٌ بحرف واحد هو الفاء، فوجوده دليل على الفصل بين التسبيح والعلوّ لله (- سبحانه وتعالى -) ، وهذا أمر يُقرر به رفعُ ما قبل الفاء {عَالِمُ الْغَيْبِ} ولأن الفاء قد اخذ الاية الى حكم الاستئناف والفصل ثم الحكم برفع (عالم) اما اذا حل واو مكان الفاء فالامر على عكسه تمامًا فاتصال واتباع ثم خفض.

ويبدو لي ان القول البصري ارجحُ من الكوفي، وذلك لامور تتعلق بالنص المدروس وقراءته، ولأخرى تتصل بطبيعة القول الكوفي وحقيقته، وذلك على ما هو آت:

-النص المصحفي فيه القراءتان ولم تصطحب قراءة الخفض بالواو، وقراءة الرفع بالفاء على وجه التقييد، فالخفض مع الفاء كائن، وهذا دليل اضطراب وعدم ثبوت الا على مذهب بعيد في تخريج معنى الفاء.

-القول البصري مسنود بقراءة يعقوب في قطعه، وبأربعة من السبعة، وهو وجه محمول على القطع في حالة الرفع، اما الكوفيون فانهم قد شرطوا الرفع بعامل ثابتٍ في الرسم والكتابة هو الفاء في (فتعالى) ، فاصطدموا بقراءة الخفض التي لا تجري على شرطهم هذا، ولكن الفراء قد خرج من هذا مبينًا ان العرب قد يعطون الواوَ حكمَ الفاء، وبذلك يكون الخفض فيه على ما أجرته العرب، وللفراء في الفاء أحكام متعارضة في كونها دليلَ استئنافٍ ورفع ما قبلها وكونها في الخبر أمرًا أو نهيًا، او كونها مشيرةً الى جملة من مبتدأ وخبر، وهذا أمرٌ لايقرر حقيقة حكم في مثل هذه الاية وغيرها من النصوص.

(1) ينظر: معاني الفراء: 2/ 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت