والاخفش يمنع تأويله على المجهول ويحمله على المعلوم، ولعل ما جاء في كتابه هو الصواب وهو متطابق مع ماجاء في كتاب الطبري أيضًا غير ان الطبري عبر عن التأويل باسم المفعول وجعله قولًا كوفيًا ولم يشر الى الاخفش. [1]
وقد اسلفنا القول ان لسيبويه حكمًا في المصادر وما تتجاذب فيه المعاني والصيغ، فقد رأى ان المصدر واسم المفعول قد يتناوبا الوظيفة والدلالة فيأتي الحَلْبُ بمعنى المحلوب واليُسْرُ بمعنى الميسور، وكذلك مجيء المصدر بمعنى اسم الفاعل وذلك كرجلٍ نوْمٍ ويَوْمٍ غَمٍٍّ فهما على نائمٍ وغامٍّ، [2] وبناءً على هذه الحقيقة أرى ان القول الكوفي أرجح القولين وذلك لأمور تتعلق بطبيعة دلالات الصيغ وحقيقة التركيب الاضافي في مثل هذه الحالة، وذلك من وجهين هما:
-المصادر صيغ دالة على معان لا أعيان، فتأويلها بصيغ معان.
-الاضافة على تقدير حذف ذي أو غيرها تحسن في الاعيان والجسوم.
وهذان الحكمان حملتهما على ذلك قاصدًا أن الاسماء الدالة على الأعيان والمواد هي التي تستأثر بالاضافة محذوفًا صدرها أو لم يحذف، وأظنه امرًا مقبولا للتفريق بين الحكمين الخلافيين ويكفينا في التفريق بينهما أن المصدر قد يحمل على فعله في العمل وقد يكون تابعًا للفعل في الأصالة في قول الكوفيين، ناهيك عن كونه دالًا على حدث مجرد من الزمن والحدث في حقيقته ليس الا معنى، أما الاسم فهو محمل معظم المعارف المبهمة وغير المبهمة وهو أساس في عمدة الاسناد الخبري والفعلي وهو عين معلومة بحدودها المعروفة، لذلك فالاضافة أولى به من القول بالاضافة في اسماء المعاني"المصادر".
ولكن .. اذا عدنا الى أمر القراءتين الأُخريين وهما قراءة الدال المهملة ويحمل اللفظ فيها على معنى الفوف وهو البياض على أظافر الاحداث فكانه أثر الدم، [3] أو بالدال المعجمة المفتوحة وهو بمعنى الجدي، [4] وهما: ـ الفوف والجدي ـ من الجسوم والاعيان
(1) ينظر: معاني الاخفش: 2/ 364، معاني الزجاج: 3/ 96، اعراب النحاس: 2/ 128، المشكل: 1/ 381، الكشاف: 2/ 451، البحر: 5/ 289، الدر: 6/ 457، الاشباه: 1/ 197، الهمع: 5/ 75، الموسوعة: 3/ 135.
(2) ينظر: الكتاب: 1/ 214، 2/ 229، 250.
(3) ينظر: المحتسب: 2/ 6، البحر: 5/ 289، الدر: 6/ 457.
(4) ينظر: اعراب القراءات الشواذ: 1/ 690.