إِلى حينِ عَوْدَتِهِ.وَحِينَ عَادَ نَزَل عَلَيهِ جِبْرِيلُ،عَلَيْهِ السَّلاَمُ،يُخْبِرُهُ بِغَايَةِ بُنَاةِ المَسْجِدِ وَقَصَدِهِمْ،وَأَمَرَهُ بِأَنْ لاَ يُصَلِّيَ فِيهِ أَبَدًا.وَيَقُولُ تَعَالَى:إِنَّ الذِينَ بَنُوا هَذا المَسْجِدِ سَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا بِبِنَائِهِ الخَيْرَ وَالإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ،وَاللهُ يَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا قَالُوهُ،وَفِيمَا قَصَدُوهُ،وَفِيمَا نَوَوْهُ؛ فَهُمْ إِنَّمَا بَنَوْهُ ضِرَارًا لِمَسْجِدِ قِبَاءٍ،وَكُفْرًا بِاللهِ،وَتَفْرِيقًا لِلْمُؤْمِنِينَ ( الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعًا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ هُوَ مَسْجِدُ قِبَاءٍ،وَفِي ذَلِكَ يَحْصُلُ التَّعَارُفُ وَالتَّآلُفُ،وَتُجْمَعُ الكَلِمَةُ ) ،وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهُ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلِ بِنَاءِ هَذا المَسْجِدِ .
أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ لاَ يَقُومَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ هَذا،وَحَثَّهُ عَلَى الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ الذِي أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى التَّقْوَى ( وَهِيَ طَاعَةُ اللهِ،وَطَاعَةُ رَسُولِهِ،وَجَمْعُ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ ) ،وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ:"صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ كَعُمْرَةٍ"
وَيَقُولُ تَعَالَى:إِنَّ مَسْجِدَ قبَاءٍ فِيهِ رِجَالٌ يَعْمُرُونَهُ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ،وَذِكْرِ اللهِ،وَتَسْبِيحِهِ؟،وَيُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ.وَيُثْنِي اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَنْصَارِ فِي تَطَهُّرِهِمْ،وَفِي عِنَايَتِهِمْ بِنَظَافَةِ أَبْدَانِهِمْ،لأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ .
لاَ يَسْتَوِي فِي عَقِيدَتِهِ،وَلاَ فِي عَمَلِهِ،مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوًى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ،مَعْ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلضِّرَارِ وَالكُفْر وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ،فَهَذَا الأَخِيرُ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ يَبْنِي بُنْيَانَهُ عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ فِي أَرْضٍ رِخْوَةٍ فِي جَانِبِ جَهَنَّمَ،انْهَارَتْ بِهِ،وَبِبُنْيَانِهِ،فِي نَارِ جَهَنَّمَ،وَاللهُ لاَ يَهْدِي إَلَى الحَقِّ وَالعَدْلِ،القَوْمَ الظَّالِمِينَ المُتَجَاوِزِينَ طَاعَةَ اللهِ.فَالإِيمَانُ ثَابِتٌ رَاسِخٌ قَوِيٌّ،وَأَهْلُهُ سُعَدَاء بِرِضْوَانِ رَبِّهِمْ،وَالبَاطِلُ مُضْمَحِلٌّ وَاهٍ سَرِيعُ الانْهِيَارِ،وَأَهْلُهُ أَشْقِيَاءُ مُتَرَدَّدُونَ حَائِرُونَ .وَسَيَظَلُّ البُنْيَانُ،الذِي بَنَاهُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ،يُورِثُهُمْ شَكًّا فِي قُلُوبِهِمْ،وَنِفَاقًا حَتَّى مَوْتِهِمْ،بِسَبَبِ إِقْدَامِهِمْ عَلَى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ،وَاللهُ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِ النَّاسِ،حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ . [1]
وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1343)