وقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} (101) سورة التوبة
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ فِي أَحْيَاءِ العَرَبِ،مِمَّنْ هُمْ حَوْلَ المَدِينَةِ،مُنَافِقِينَ،كَمَا يُوجَدُ مُنَافِقُونَ بَيْنَ أَهْلِ المَدِينَةِ،وَقَدْ تَمَرَّنُوا عَلَى النِّفَاقِ،وَحَذَقُوهُ،حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الغَايَةَ فِي إِتْقَانِهِ،وَأَصْبَحَ مِنَ الصَّعْبِ العَسِيرِ كَشْفُهُمْ وَمَعْرِفَتُهُمْ ( مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ) ،وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَعْرِفُهُمْ،وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُهُمْ،وَسَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدًُّنْيَا مَرَّتِينِ:
أُولاهُمَا:- فِيمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ المَصَائِبِ وَالخَوْفِ مِنَ الفَضِيحَةِ بِهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ .
وَثَانِيَتَهما - فِي آلاَمِ المَوْتِ،وَضَرْبِ المَلاَئِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ حِينَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ . [1]
وقال تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) } سورة التوبة
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:إِنَّ هَؤُلاَءِ هُمْ أُنَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ بَنُوا مَسْجِدًا،فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرِ الرَّاهِبُ ( وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ،وَأَبَي الإِسْلاَمَ،وَأَخَذَ يَكِيدُ لِلْمُسْلِمِينَ،وَيَتَآمَرُ عَلَيْهِمْ مَعَ قُرَيشٍ،وَمَعَ أَعْدَائِهِمْ،وَأَلَّبَ المُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ،وَحَاوَلَ اسْتِمَالَةَ الأَنْصَارِ فِي المَعْرَكَةِ فَسَبُّوهُ ) :ابْنُوا مَسْجِدًا يَكُونُ مَرْصَدًا لَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ.ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْتَعِدُوا،وَأَنْ يَجْمَعُوا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ وَسِلاَحٍ،وَقَالَ لَهُمْ:إِنَّهُ ذَاهِبٌ إِلى قَيْصَرِ الرُّومِ فَآتٍ بِجُنُودٍ مِنَ الرُّومِ لإِخْرَاجِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ،فَأَخَذُوا فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ قُرْبَ مَسْجِدِ قَباءٍ،وَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ بِنَائِهِ أَتَوْا إِلى الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا لَهُ:لَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا فَنُحِبُّ أَنْ تَصَلِّيَ فِيهِ،وَتَدْعُو لَنَا بِالبَرَكَةِ.وَكَانَ الرَّسُولُ خَارِجًا إِلى غَزْوَةِ تَبُوك،فَأَرْجََأَ ذَلِكَ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1337)