فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 160

بِذَهَابِهِمْ إلى غَيْرِكَ،وَبِتَحَاكُمِهِمْ إلَى أَعْدَائِكَ،إلا المُدَارَاةَ وَالمُصَانَعَةَ ( إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ) ،لاَ اعْتِقَادًا مِنْهُمْ بِصِحَّةِ تِلْكَ الحُكُومَةِ .

وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ هُمُ المُنَافِقٌُونَ،وَاللهُ وَحْدَهُ يَعْلَمُ مَبْلَغَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالحِقْدِ وَالكَيْدِ،وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ،فَإنَّهُ لاَ تَخْفَى عَلَيهِ مِنْهُمْ خَافِيةٌ.ثُمَّ يَدْعُو اللهُ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - إلى مُعَامَلَتِهِمْ:

-أَوْلًا:بِالإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَعَدَمِ الإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ بِالبَشَاشَةِ وَالتَّكْرِيمِ،وَهَذَا النَّوعُ مِنَ المُعَامُلَةِ يُثِيرُ فِي نُفُوسِهِمُ الهَوَاجِسَ وَالشُّكُوكَ وَالظُّنُونَ

-ثُمَّ بِالنُّصْحِ وَالتَّذْكِيرِ بِالخَيْرِ،عَلَى وَجْهٍ تَرِقُّ لَهُ قُلُوبُهُمْ،وَيَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّأمُّلِ فِيمَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ مِنَ العِظَاتِ .

-ثُمَّ بِالقَوْلِ البَلِيغِ،الذِي يُؤَثِّرُ فِي نُفُوسِهِمْ،كَالتَّوَعُّدِ بِالقّتْلِ،وَالاسْتِئْصَالِ إنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ نِفَاقٌ،وَأنْ يُخْبِرَهُمْ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ . [1]

إن هذا التصوير لهذه المجموعة التي تصفها النصوص،يوحي بأن هذا كان في أوائل العهد بالهجرة.يوم كان للنفاق صولة وكان لليهود - الذين يتبادلون التعاون مع المنافقين - قوة

وهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة اللّه - إلى الطاغوت - قد يكونون جماعة من المنافقين - كما صرح بوصفهم في الآية الثانية من هذه المجموعة - وقد يكونون جماعة من اليهود الذين كانوا يدعون - حين تجدّ لهم أقضية مع بعضهم البعض أو أهل المدينة - إلى التحاكم إلى كتاب اللّه فيها ..التوراة أحيانا،وإلى حكم الرسول أحيانا - كما وقع في بعض الأقضية - فيرفضون ويتحاكمون إلى العرف الجاهلي الذي كان سائدا

ولكننا نرجح الفرض الأول لقوله فيهم: «يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» ..واليهود لم يكونوا يسلمون أو يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول.إنما كان المنافقون هم الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله (كما هو مقتضى العقيدة الإسلامية من الإيمان بالرسل كلهم) .

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 553)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت