الصفحة 30 من 41

والرابع وصفهم بغاية الجهل

وهو أنه لا شعور لهم البتة بكونهم مفسدين.

وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الموضع، ثم نفى العلم في قولهم: (أنؤمن كما آمن السفهاء) فقال: (ألا أنهم هم السفهاء، ولكن لا يعلمون) فنفى علمهم بسفههم، وشعورهم بفسادهم، وهذا أبلغ ما يكون من الذم، والتجهيل أن يكون الرجل مفسدا، ولا شعور له بفساده البتة، مع أن أثر فساده مشهور في الخارج، مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به، وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه.

وكذلك كونه سفيها، والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم، بما يصلح معاشه، ومعاده، وإرادته بخلافه، فإذا كان بهذه المنزلة، وهو لا يعلم بحاله، كان من أشقى النوع الإنساني، فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله، ونفى الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه.

فتضمنت الآيتان الإسجال عليهم بالجهل، وفساد آلات الإدراك، بحيث يعتقدون الفساد صلاحا والشر خيرا.

وكذلك المناظرة الثانية معهم أيضا، فإن المؤمنين قالوا لهم: (آمنوا كما آمن الناس) فأجابهم المنافقون بقولهم: (أنؤمن كما آمن السفهاء) وتقرير المناظرة من الجانبين أن المؤمنين دعوهم إلى الإيمان الصادر من العقلاء بالله، ورسوله، وأن العاقل يتعين عليه الدخول فيما دخل فيه العقلاء الناصحون لأنفسهم، ولا سيما إذا قامت أدلته وصحت شواهده، فأجابهم المنافقون بما مضمونه أنا إنما يجب علينا موافقة العقلاء، وأما السفهاء الذي لا عقل لهم، يميزون به بين النافع، والضار، فلا يجب علينا موافقتهم، فرد الله تعالى عليهم، وحكم للمؤمنين

وأسجل على المنافقين بأربعة أنواع، احدها تسفيههم، الثاني حصر السفه فيهم، الثالث نفي العلم عنهم، الرابع تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه.

فصل في أنواع خطاب القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت