وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِى الْمَلاَئِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ يَقُولُ انْظُرُوا إِلَى عِبَادِى شُعْثًا غُبْرًا» [1] .
وعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ» [2] .
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:"جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ، قَالَ: اجْلِسْ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَلِمَاتٌ أَسْأَلُ عَنْهُنَّ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَبَقَكَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ، وَإِنَّ لِلْغَرِيبِ حَقًّا، فَابْدَا بِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَى الثَّقَفِيِّ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَجَبْتُكَ عَمَّا كُنْتَ تَسْأَلُ، وَإِنْ شِئْتَ سَأَلْتَنِي وَأُخْبِرْكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلْ أَجِبْنِي عَمَّا كُنْتُ أَسْأَلُكَ، قَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ، فَقَالَ: لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَاتَ مِمَّا كَانَ فِي نَفْسِي شَيْئًا، قَالَ: فَإِذَا رَكَعْتَ، فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، ثُمَّ فَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، ثُمَّ أَمْكُثْ حَتَّى يَاخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مَاخَذَهُ، وَإِذَا سَجَدْتَ، فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ، وَلاَ تَنْقُرُ نَقْرًا، وَصَلِّ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَإِنْ أَنَا صَلَّيْتُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَأَنْتَ إِذًا مُصَلِّي، وَصُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، فَقَامَ الثَّقَفِيُّ، ثُمَّ"
(1) - مسند أحمد برقم (8268) صحيح لغيره
(2) - صحيح مسلم برقم (3354)
وفي شرح النووي على مسلم - (ج 5 / ص 11)
هَذَا الْحَدِيث ظَاهِر الدَّلَالَة فِي فَضْل يَوْم عَرَفَة، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ رَجُل: اِمْرَأَتِي طَالِق فِي أَفْضَل الْأَيَّام، فَلِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدهمَا: تَطْلُق يَوْم الْجُمُعَة؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خَيْر يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْس يَوْم الْجُمُعَة"، كَمَا سَبَقَ فِي صَحِيح مُسْلِم، وَأَصَحّهمَا: يَوْم عَرَفَة؛ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب، وَيُتَأَوَّل حَدِيث يَوْم الْجُمُعَة عَلَى أَنَّهُ أَفْضَل أَيَّام الْأُسْبُوع، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ الْمَازِرِيّ: مَعْنَى (يَدْنُو) فِي هَذَا الْحَدِيث: أَيْ تَدْنُو رَحْمَته وَكَرَامَته، لَا دُنُوّ مَسَافَة وَمُمَاسَّة. قَالَ الْقَاضِي: يُتَأَوَّل فِيهِ مَا سَبَقَ فِي حَدِيث النُّزُول إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر مِنْ غَيْظ الشَّيْطَان يَوْم عَرَفَة لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّل الرَّحْمَة، قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ يُرِيد دُنُوّ الْمَلَائِكَة إِلَى الْأَرْض أَوْ إِلَى السَّمَاء بِمَا يَنْزِل مَعَهُمْ مِنْ الرَّحْمَة وَمُبَاهَاة الْمَلَائِكَة بِهِمْ عَنْ أَمْره سُبْحَانه وَتَعَالَى، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ الْحَدِيث فِي صَحِيح مُسْلِم مُخْتَصَرًا، وَذَكَره عَبْد الرَّزَّاق فِي مُسْنَده مِنْ رِوَايَة اِبْن عُمَر قَالَ:"إِنَّ اللَّه يَنْزِل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَة يَقُول: هَؤُلَاءِ عِبَادِي جَاؤنِي شُعْثًا غُبْرًا يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَيَخَافُونَ عَذَابِي وَلَمْ يَرَوْنِي، فَكَيْف لَوْ رَأَوْنِي؟"وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيث.