الصفحة 45 من 139

وَرَفْعِهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا مَعَ أَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ عَقْلًا وَالشَّرْعُ لَا يُرَدُّ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَحَرَّرْت التَّقَادِيرَ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ هُنَالِكَ فَهَذَا هُوَ تَصْوِيرُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ بِخِلَافِ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهِ فَلِذَلِكَ نُوَرِّثُ بِالْإِنْسَابِ مَنْ لَا يُعْلَمُ نَسَبُهُ وَيَدْخُلُ الْعَبْدُ الْمَوْرُوثُ فِي مِلْكِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ وَعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ وَيُطْلَقُ بِالْإِضْرَارِ وَالْإِعْسَارِ اللَّذَيْنِ هُمَا مَعْجُوزٌ عَنْهُمَا وَيَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ الْمَغْفُولُ عَنْهُ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّ مَعْنَى خِطَابِ الْوَضْعِ قَوْلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ كَذَا فَقَدْ وَجَبَ كَذَا أَوْ حَرُمَ كَذَا أَوْ نُدِبَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ هَذَا فِي السَّبَبِ أَوْ يَقُولُ عُدِمَ كَذَا فِي وُجُودِ الْمَانِعِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ. وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ الشَّرْعِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ قَاعِدَتَيْنِ الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الْأَسْبَابُ الَّتِي هِيَ أَسْبَابٌ لِلْعُقُوبَاتِ وَهِيَ جِنَايَاتٌ كَالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ وَالْقَصْدُ فَلِذَلِكَ لَا قِصَاصَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَالزَّانِي أَيْضًا وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْمُكْرَهِ وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ أَجْنَبِيَّةٌ بَلْ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ سَقَطَ الْحَدُّ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَعْتَقِدُهَا خَلًّا لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ جِنَايَاتٌ وَأَسْبَابٌ لِلْعُقُوبَاتِ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقَصْدُ وَالْقُدْرَةُ وَالسِّرُّ فِي اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَنَّ رَحْمَةَ صَاحِبِ الشَّرْعِ تَابَى عُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْفَسَادَ وَلَا يَسْعَى فِيهِ بِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بَلْ قَلْبُهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعِفَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِنَابَةِ فَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَاقِبُهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ رَحْمَةً وَلُطْفًا. الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَاشْتُرِطَ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ قَاعِدَةُ أَسْبَابِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَالْجَعَالَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ سَبَبُ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ فَمَنْ بَاعَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَوْ هَذَا التَّصَرُّفَ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ لِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا أَوْ طَارِئًا عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعٌ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ مَعَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ فَبَاعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ النَّاشِئَةِ عَنْ دَاعِيَتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ مَعَهُ وَسِرُّ اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ قَوْلُهُ عليه السلام {لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ} وَلَا يَحْصُلُ الرِّضَا إلَّا مَعَ الشُّعُورِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمُكْنَةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَقَرَّرَ شَرْطُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ دُونَ خِطَابِ الْوَضْعِ وَظَهَرَ الْفَرْقُ فَأَزِيدُهُ بَيَانًا بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) اعْلَمْ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ أَمَّا اجْتِمَاعُهُمَا فَكَالزِّنَى فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ وَسَبَبٌ لِلْحَدِّ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ خِطَابُ وَضْعٍ وَالسَّرِقَةُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ خِطَابُ تَكْلِيفٍ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا سَبَبُ الْقَطْعِ خِطَابُ وَضْعٍ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْجِنَايَاتِ مُحَرَّمَةٌ وَهِيَ أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ وَالْبَيْعُ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ حَرَامٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي صُوَرِهِ عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَبَبُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ الْجَائِزِ أَوْ التَّقْدِيرِ فِي الْمَمْنُوعِ هُوَ خِطَابُ وَضْعٍ وَبَقِيَّةُ الْعُقُودِ تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَأَمَّا انْفِرَادُ خِطَابِ الْوَضْعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت