الصفحة 46 من 139

فَكَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَدَوَرَانِ الْحَوْلِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ وَلَا إذْنٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا وُجِدَ الْأَمْرُ فِي أَثْنَائِهَا وَتَرَتُّبِهَا فَقَطْ وَأَمَّا خِطَابُ التَّكْلِيفِ بِدُونِ خِطَابِ الْوَضْعِ فَكَأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ كَإِيقَاعِ الصَّلَوَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ فَهَذِهِ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ سَبَبًا لِفِعْلٍ آخَرَ نُؤْمَرُ بِهِ أَوْ نُنْهَى عَنْهُ بَلْ وُقِفَ الْحَالُ عِنْدَ أَدَائِهَا وَتَرَتُّبِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الشَّرْعِ قَدْ جَعَلَهَا سَبَبًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ وَدَرْءِ الْعِقَابِ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَفْعَالًا لِلْمُكَلَّفِ وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَّا كَوْنَهُ وُضِعَ سَبَبًا لِفِعْلٍ مِنْ قِبَلِ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا وَجْهُ اجْتِمَاعِهِمَا وَافْتِرَاقِهِمَا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الصَّبِيُّ إذَا أَفْسَدَ مَالًا لِغَيْرِهِ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ إخْرَاجُ الْجَابِرِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فَالْإِتْلَافُ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ وَهُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَلَمْ تَكُنْ الْقِيمَةُ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِي زَمَنِ الصِّغَرِ وَتَأَخَّرَ أَثَرُهُ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْعُهُ وَنِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ فَإِنَّهَا أَسْبَابٌ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ وَلَا الْعِلْمُ وَلَا الْإِرَادَةُ فَيَنْعَقِدُ مِنْ الصِّبْيَانِ الْعَالِمِينَ الرَّاضِينَ بِانْتِقَالِ أَمْلَاكِهِمْ وَتَتَأَخَّرُ الْأَحْكَامُ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ فَيُقْضَى حِينَئِذٍ بِالتَّحْرِيمِ فِي الزَّوْجَةِ فِي الطَّلَاقِ كَمَا تَأَخَّرَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَوُجُوبُ دَفْعِ الْقِيمَةِ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ وَكَذَلِكَ يَتَأَخَّرُ لُزُومُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى بَعْدَ الْبُلُوغِ وَبَقِيَّةُ الْآثَارِ كَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الضَّمَانِ وَلَمْ أَرَ أَحَدٌ قَالَ بِهِ (وَالْجَوَابُ) بِذِكْرِ الْفَرْقِ بَيْنَ الضَّمَانِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ وَجْهَيْنِ (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الرِّضَا لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاءُ قَاعِدَةِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ مِنْ قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الرِّضَا وَالطَّلَاقُ فِيهِ إسْقَاطُ عِصْمَةٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَمْلَاكِ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ أَيْضًا هُوَ إسْقَاطُ مِلْكٍ فَاشْتُرِطَ فِيهِ الرِّضَا وَلَمَّا كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْمَصَالِحِ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهَا جَعَلَ الشَّرْعُ رِضَاهُ كَعَدَمِهِ وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ وَغَيْرُ الرَّاضِي لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلَا بَيْعٌ فَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ بِخِلَافِ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافَاتِ لَا أَثَرَ لِلرِّضَى فِيهَا أَلْبَتَّةَ فَاعْتُبِرَتْ مِنْهُ (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ أَثَرَ الطَّلَاقِ التَّحْرِيمُ وَهُوَ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ وَأَثَرَ الْبَيْعِ إلْزَامُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّكْلِيفِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِلْزَامِ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَا تَتَأَخَّرُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ كَمَا تَأَخَّرَ إلْزَامُ دَفْعِ الْقِيمَةِ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ تَأَخُّرَ الْمُسَبَّبَاتِ عَنْ أَسْبَابِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا خَالَفْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْإِتْلَافِ لِضَرُورَةِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي جَبْرِ مَالِهِ لِئَلَّا يَذْهَبَ مَجَّانًا فَتَضِيعَ الظُّلَامَةُ وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُونَا لِتَقْدِيمِ الطَّلَاقِ وَتَاخِيرِ التَّحْرِيمِ بَلْ إذَا أَسْقَطْنَا الطَّلَاقَ وَاسْتَصْحَبْنَا الْعِصْمَةَ لَمْ يَلْزَمْ فَسَادٌ وَلَا تَفُوتُ ضَرُورَةٌ وَكَذَلِكَ إذَا أَبْقَيْنَا الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ لِلصَّبِيِّ كُنَّا مُوَافِقِينَ لِلْأَصْلِ وَلَا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أَلْبَتَّةَ أَمَّا لَوْ أَسْقَطْنَا إتْلَافَهُ وَلَمْ نَعْتَبِرْهُ لَضَاعَ مَالُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَتَلِفَ وَتَعَيَّنَ ضَرَرُهُ وَهَذَا فَرْقٌ كَبِيرٌ فَتَأَمَّلْهُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الطَّهَارَةُ وَالسِّتَارَةُ وَاسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ فَتَاوَى عُلَمَائِنَا مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاسْتَتَرَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ جَاءَ الْوَقْتُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَدِّدَ فِعْلًا أَلْبَتَّةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَفِعْلُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت