{شَرُّ الْمَالِ مَا تُنْفِقُهُ فِي الْبُنْيَانِ} وَقَالَ عليه السلام {إنَّمَا يُتْلِفُ الْمَالَ الْحَرَامُ الرِّبَا وَالْبِنَاءُ} فَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ طَلَبِ الْآخَرِ , وَهَذَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجْبَرُ الْآخَرُ عِنْدَ طَلَبِ أَحَدِهِمَا عَلَى قِسْمَةِ الْمُشْتَرَكِ وَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا فِيمَا يُنْفِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبِنَاءِ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ , فَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ: أَنَا أَبْنِيهِ بِنَفَقَتِي , وَأَضَعُ عَلَيْهِ جُذُوعِي كَمَا كَانَتْ فَلَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يُنْفِقُ مَالَهُ يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ , وَلَا ضَرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ فِي ذَلِكَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ , وَإِذَا مَنَعَهُ شَرِيكُهُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ مُتَعَنِّتًا قَاصِدًا إلَى الْإِضْرَارِ بِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ , فَإِنْ فَعَلَهُ فَأَرَادَ الْآخَرُ أَنْ يَضَعَ عَلَيْهِ جُذُوعَهُ , كَمَا كَانَتْ فَلَهُ ذَلِكَ بَعْدَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ ; لِأَنَّ الْبِنَاءَ مِلْكُ الثَّانِي , فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ , فَإِذَا رَدَّ ذَلِكَ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا عَلَيْهِ نِصْفَ الْبِنَاءِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ , وَهُوَ نَظِيرُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ إذَا انْهَدَمَا فَأَبَى صَاحِبُ السُّفْلِ أَنْ يَبْنِيَهُ كَانَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ وَيَبْنِيَ فَوْقَهُ بَيْتَهُ ثُمَّ يَمْنَعَ صَاحِبَ السُّفْلِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِسُفْلِهِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْبِنَاءِ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الدَّعْوَى إشَارَةً هُنَا إلَى أَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَبْنِيَ السُّفْلَ ; لِأَنَّهُ يَضَعُ الْبِنَاءَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ فِي وَضْعِ الْبِنَاءِ فِي مِلْكِهِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى بِنَاءِ عُلْوِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ مَا لَمْ يَبْنِ السُّفْلَ , وَهَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ أَيْضًا.
وفي أنوار البروق
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَقَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ) وَهَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا عَظِيمُ الْقَدْرِ جَلِيلُ الْخَطَرِ وَبِتَحْقِيقِهِ تَنْفَرِجُ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْإِشْكَالَاتِ وَتَرِدُ إشْكَالَاتٌ عَظِيمَةٌ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ وَسَأُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ فِي هَذَا الْفَرْقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَحْرِيرُ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ مَعَ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَنْ لَا تُطْلَقَ إلَّا عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُلْفَةِ , وَالْكُلْفَةُ لَمْ تُوجَدْ إلَّا فِيهِمَا لِأَجْلِ الْحَمْلِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ خَوْفَ الْعِقَابِ وَأَمَّا مَا عَدَاهُمَا فَالْمُكَلَّفُ فِي سَعَةٍ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فَلَا كُلْفَةَ حِينَئِذٍ غَيْرَ أَنَّ جَمَاعَةً يَتَوَسَّعُونَ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْجَمِيعِ تَغْلِيبًا لِلْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ فَهَذَا خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ فَهُوَ خِطَابٌ بِنَصْبِ الْأَسْبَابِ كَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهَلَاكِ وَنَصْبِ الشُّرُوطِ كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ وَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ وَنَصْبِ الْمَوَانِعِ كَالْحَيْضِ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقَتْلِ مَانِعٌ مِنْ الْمِيرَاثِ وَنَصْبِ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ , أَوْ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ كَمَا نُقَدِّرُ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا قَبْلَ الرَّدِّ. وَنَقُولُ: ارْتَفَعَ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ لَا مِنْ حِينِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ وَنُقَدِّرُ النَّجَاسَةَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فِي صُوَرِ الضَّرُورَاتِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَوْضِعِ الْحَدَثِ فِي الْمَخْرَجَيْنِ وَنُقَدِّرُ وُجُودَ الْمِلْكِ لِمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي لِتَثْبُتَ لَهُ الْكَفَّارَةُ وَالْوَلَاءُ مَعَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَنُقَدِّرُ الْمِلْكَ فِي دِيَةِ الْمَقْتُولِ خَطَأً قَبْلَ مَوْتِهِ حَتَّى يَصِحَّ فِيهِ الْإِرْثُ فَهَاتَانِ مِنْ بَابِ إعْطَاءِ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ وَالْأُولَيَانِ مِنْ بَابِ إعْطَاءِ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَلَا يَكَادُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ يَنْفَكُّ عَنْ التَّقْدِيرِ وَقَدْ بَسَطْت ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَةِ فِي إدْرَاكِ النِّيَّةِ حَيْثُ تَكَلَّمْت فِيهَا عَلَى رَفْضِ النِّيَّةِ