فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 830

تنبيه: أمره صلى الله عليه وسلم هنا المسلم أن لا يكون مع أحد الفريقين، هو فيما لو كان غير متبين الحق مع أيهما، وهو خلاف ما نحن فيه، ولكن المقصود بيان كيف يُترك القتال المحرم ويُبتعد عنه، إذا ما دعي المرء إليه أو طولب بالمشاركة فيه.

4ـ ومما يزجر عن المشاركة في القتال المحرم: التأمل في المآل البائس الوخيم والعاقبة السيئة الشنيعة، إذا ما كان القتال في غير سبيل الله، وكان لمقصد دنيوي، ففي الحديث الصحيح:"إذا اقتتلتم على الدنيا، فالقاتل والمقتول في النار" ["نيل الأوطار": (7/50) ] .

وماذا ينتظر هذا المجند في جيش المشركين، سوى الحفاظ على مكتسباته الدنيوية، وفي أحسن الحالات: اتقاء وتجنب ضرر موهوم أو مظنون يلحقه أو يلحق غيره من المسلمين؟

5ـ ومن أساليب تجنب سفك الدماء في الفتنة ـ ولا سيما إذا أجبر المسلم على حضور القتال ـ الأمر بإتلاف السلاح، حتى لا يكون صلاحه للاستعمال مثار إغراء للقتال به وإزهاق أنفس معصومة، فعن محمد بن مسلمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيت الناس يقتتلون على الدنيا، فاعمد بسيفك على أعظم صخرة في الحرة، فاضربه بها حتى يتكسر، ثم اجلس في بيتك، حتى تأتيك يد خاطئة، أو منية قاضية ..." ["مجمع الزوائد": (7/300ـ301) ، وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات] .

وهذا مما يدل على تعظيم الشريعة لأمر الدماء، والحض على تجنب سفكها، ما لم يكن يقين قاطع، أو دليل ساطع.

خامسًا: العجز والإكراه وضوابط الإعذار بهما:

المسلم المقيم في بلاد الشرك بين أربع حالات:

الأولى: أن يقيم عندهم راغبًا مختارًا مريدًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، أو يعاونهم على المسلمين، فهذا لا نصيب له في الإسلام، قال تعالى: { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} (آل عمران: من الآية28) ، وقد تقدم ذكر أقوال المفسرين في الآية.

الثانية: أن يقيم عندهم لأجل مال أو ولد، وهو لا يظهر دينه مع قدرته على الهجرة، ولا يعينهم على المسلمين، ولا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، فهذا لا يكفر لمجرد الجلوس، ولكنه عاص بتركه الهجرة، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء:97) ، وقد تقدم كلام ابن كثير وما ذكره من حرمة الإقامة ـ في هذه الحالة ـ بالإجماع.

الثالثة: من كانت إقامته بينهم مستحبة، وصاحبها مجاهد في سبيل الله حتى يرجع، وذلك كمن أقام بينهم بقصد الدعوة إلى الله، أو لتعلم ما هو وسيلة لمرضاة الله وخذلا أعدائه. ويشترط في الذين تستحب لهم الإقامة بين الكفار: أن يكونوا قاصدين بإقامتهم إظهار دين الله والدعوة إليه، عارفين لدينهم بأدلته، متمسكين بعقيدتهم، مأمونًا عليهم ـ في ظاهر حالهم ـ من الوقوع في الفتنة.

وهذه الشروط المشار إليها لا أرى أن يُترك التقدير فيها للأفراد بحسب ما يرى كلٌ لنفسه، بل ينبغي أن يُرجع إلى أهل الحل والعقد، أو ولاة المسلمين إن وجدوا.

الرابعة: من لا حرج عليه في الإقامة بين ظهرانيهم، وهو نوعان:

1ـ من كانت إقامته لحاجة دنيوية ـ كتجارة أو علاج ـ وهو عارف لدينه بأدلته آمن من الفتنة، مظهر لدينه، قادر على التأثير فيهم دون التأثر بهم. وقد كان للتجار المسلمين تأثير عظيم على البلدان التي ارتحلوا إليها.

2ـ أن يقيم بينهم مستضعفًا، كالذين استثنوا من آية سورة النساء السابقة: { إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً، وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} (النساء:98) ، يقول ابن كثير:"لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق" ["تفسير القرآن العظيم": (2/343) ] .

وقد قال الله تعالى ـ تعقيبًا على هذه الآية ـ: { فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء:99)

قال الحافظ بن كثير في تفسير هاتين الآيتين:"هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) ، قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقًا."

وقوله تعالى: فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [أي: يتجاوز من الله عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة"["تفسير القرآن العظيم": (2/823) ] ."

فلا عذر في ترك الهجرة إلى بلاد الإسلام إلا بالشروط المتقدمة، أو مع العجز المبين في هذه الآيات، التي أوردناها آنفًا.

ضوابط الإكراه في المسألة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت