فكيف إذا كانت الراية العمية لطائفة كافرة؟ ثم كيف إذا كانت هذه الطائفة الكافرة هي أكثر الطوائف سعيًا بالفساد في الأرض، وأكثرها ظلمًا للعباد، وأشدها طغيانًا وبغيًا؟ بل كيف إذا كانت هذه الطائفة معروفة بعدائها للمسلمين، وتحيزها لعدوهم، مستذلة لدولهم، ناهبة لثرواتهم؟ وقد قال الله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة: من الآية2) ، ومن هذا ما ورد في الشرع من النهي عن القتال في الفتنة، ذلك أنه قتال لا يتبين فيه المحق من المبطل، ولا المظلوم من الظالم ، روى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"تكون فتن، النائم فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، والراكب فيها خير من المجري، قتلاها كلها في النار"قلت: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال:"ذلك أيام الهرج"قلت: وما أيام الهرج؟ قال:"حين لا يأمن الرجل جليسه!"قلت: فما تأمرني؟ قال: كف يدك، ولسانك، وادخل دارك ..."الحديث ["مجمع الزوائد": (7/302) ، وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات] ."
فالفتنة المشار إليها في هذا الحديث: قتال آثم بين الناس على تعدد فئاتهم،"قتلاها كلها في النار"، وخير الناس فيها النائم عنها، ثم كل من يتعلق بسبب فإنه يضرب بسهم من الإثم قليل أو كثير، على حسب همته في جمع الحطب لها، ونفخه في نيرانها.
ومما ورد في وصف التغير والتناكر الذي يصيب الناس في الفتنة ـ وهو أشبه ما يكون بما نعالجه هنا ـ قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله عز وجل لم يُحلَ في الفتنة شيئًا حرمه قبل ذلك، ما بال أحدكم يأتي أخاه، فيسلم عليه، ثم يجيء بعد ذلك فيقتله!" ["مجمع الزوائد": (7/298) ، وقال: رواه الطبراني] .
ووصف ابن عمر حال الناس في الفتنة، فقال:"في الفتنة لا ترون القتل شيئًا" ["مجمع الزوائد": (7/293) ، وقال رواه أحمد] .
فالفتنة هنا تصوغ الناس صياغة تجعلهم يألفون معها القتل، فيقدمون عليه بلا مبالاة، حتى كأنه ليس بشيء يثير الاستنكار! وهو ما أجازته الفتوى من أسف.
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسباب والدوافع التي تغري الداخلين في هذه الفتن، فقال:"إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، فتن كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام خلاقهم (الخلاق: النصيب الوافر من الخير) ، ودينهم، بعرض من الدنيا" ["مجمع الزوائد": (7/308) ، وقال: رواه أحمد والطبراني] .
والفتنة تجعل كثيرًا من الناس يضحون بسجلات ماضيهم المتدين الناصعة، فيقدمونها على مذبح الشهوات الدنيوية والأغراض الدنية، ذلك حين تزل قدم بعد ثبوتها، وتؤثر المناصب والمطامع على ما عند الله، ويقدم رضا المستكبرين على رضا رب العالمين، وما رضا المستكبرين سوى السلطة والنفوذ والبغي في الأرض، وهو عند الأتباع الصغار: الثمن المدفوع لهم نظير ما يبذلونه ـ في سبيل التمكين للسادة ـ من إرهاب وقتل وتدمير! قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (النساء:76) .
ما هو المخرج عند وقوع قتال الفتنة، أو أي قتال ممنوع منه شرعًا؟
هذا تساؤل تلح به الضمائر الحية، ويهيجه في النفس وازع الإيمان، فكم من مؤمن يجد نفسه متورطًا في قتال محرم، أو مطالبًا بالمشاركة فيه، إما إكراهًا وإما إرهابًا، والشارع الحكيم لم يدع هذا السؤال معلقًا بغير إجابة، كما هو منهاجه في شئون العباد كلها، ففي السنة المطهرة ما يهدي إلى مخرج بل مخارج مشروعة، تعفي المسلم من التورط في سفك الدماء بغير حق، وإليك بيانها:
1ـ الأمر بالابتعاد عن معترك القتال، والاختفاء عن الأنظار مهما أمكن، كأن يلزم الإنسان بيته، ويغلق عليه داره، فقد جاء في بعض الأحاديث ـ بصدد الابتعاد عن الفتنة ـ:"ادخلوا بيوتكم، وأخملوا ذكركم ..." ["مجمع الزوائد": (7/303) ، وقال: رواه الطبراني] .
2ـ الانشغال بالأعمال الخاصة، وانصراف المرء إلى شأن نفسه، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم/"فإذا نزلت ـ أي: الفتنة ـ فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه..." ["مستدرك الحاكم": (4/440ـ441) ، قال الذهبي: قلت: صحيح] .
3ـ ومنها ما جاء في مسند أحمد عن صحابي من خثعم، قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يكون في هذه الأمة خمس فتن"ـ ثم يحدث هذا الصحابي رجلًا من الشام، فيقولـ:"فقد مضت أربع، وبقيت واحدة ، وهي الصيلم (بمعنى الاستئصال) ، وهي فيكم يا أهل الشام، فإن استطعت أن تكون حجرًا فكنه، ولا تكن مع واحد من الفريقين، ألا فاتخذ نفقًا في الأرض! فقيل له: أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم!" ["المسند": (5/73) ] ."