كما أن في مخالطة المسلم المشركين إقرارًا لهم على كفرهم وفجورهم، وليس كل أحد متمكنًا من دعوتهم، قادرًا على إنكار ما هم عليه، مما يكفله لهم القانون، ويمنحهم الحماية لفعله، ويحصنهم فيه ضد إنكار المنكرين، بدعوى الحريات الشخصية، التي هي الانحلال والإباحية، وقد نهانا الله تعالى عن مخالطة أهل المنكرات، والمكث في أماكن المحرمات، كما قال تعالى: { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا[ (النساء:140) ، وقال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:68) ، والقاعدة عند أهل العلم: أنه"إذا لم يزُل المنكر فزُلْ أنت"، وفرق بين من يخالط القوم لأغراض دعوية، ومن يخالطهم على كل حال مجبرًا على ذلك، لا يسعه هجرهم عند مقارفتهم الحرام، أو مفارقتهم في غير أوقات دعوتهم، وقال تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة:78، 79) .
روى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال:"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم"، قال يزيد: وأحسبه قال:"في أسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) "، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس، فقال:"لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطرًا"، والمقصود بيان أنه لا يجوز مخالطة القوم لغير غرض الأمر والنهي والدعوة إلى الله، إلا أن يكون مضطرًا عاجزًا عن الهجرة إلى دار الإسلام، كما قال تعالى: { إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء:98، 99) ، والله أعلم.
الوجه الرابع: لئلا يكون للكافر على المسلم سلطان، وقد قال الله تعالى: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} (النساء: من الآية141) ، وقول الله تعالى: { وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:139) ، قال القاسمي في التفسير:"فإن الإيمان يقتضي العلو لا محالة، أفاده أبو السعود" [محاسن التأويل": (4/235) ] . ومعلوم أن القوانين العسكرية تمنح القواد الحق في إلزام مرؤسيهم بشكل مطلق، وعلى نحو يكاد يكون الالتزام فيه بأوامرهم طاعةً عمياء!! وقد قال تعالى: { وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} (هود:113) ، قال الإمام القرطبي:" الركون حقيقته: الاستناد والاعتماد، والسكون إلى الشيء والرضا به، وقال قتادة: معنى الآية: لا توادوهم ولا تطيعوهم، وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم" ["تفسير القرطبي": (9/108) ] ."
والمقصود بيان أن ولاية الكافر على المسلم عزة له، والأصل أن الكافر ذليل، فلا يجتمع إذلاله وإعزازه معًا إلا كان على خلاف المشروع.
ويدخل في هذا: تعظيم طريقة القوم وشعارهم، وتقديس قانونهم المخالف لقانون رب العالمين، ويدخل فيه كذلك رفع اليد عند الرأس أو الصدر بالتحية، طبقًا للأعراف العسكرية، وهو أمر محرم ولا ريب، ويخشى معه ما هو أعظم من الحرمة والذنب. [وانظر:"تحفة الإخوان"للشيخ حمود التويجري: (19) ] .
ثالثًا: حرمة الانضواء تحت راية عمية، تضرب في الأرض على غير هدى، ولا تبالي بحق قاتلت أم بباطل، ولا تؤمن مظالمها، وتخشى غوائلها.
وهذا أمر معلوم حرمته في الشرع، حتى لو كانت هذه الراية العمية لطائفة مسلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل، فقتلته جاهلية" [رواه مسلم] .