فهرس الكتاب

الصفحة 749 من 830

الوجه الثالث: أن الإسلام أبطل عصبية الجاهلية التي تقيم ولاءها على أساس من الجنس أو العرق أو العشيرة، فهي لا تبالي برابطة الدين وأخوة الإيمان.

قال تعالى: { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (المجادلة:22) .

قال العماد ابن كثير:"] لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ أي: لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين، كما قال تعالى: { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران:28) ..."["تفسير القرآن العظيم": (4/230) ] .

وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:23، 24) .

قال الحافظ ابن كثير ـ في تفسير هذه الآية ـ:"أمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء ، ونهى عن موالاتهم (إن استحبوا) أي اختاروا الكفر على الإيمان" [تفسير القرآن العظيم": (2/343) ] ."

فإن يكن الولاء للقبيلة أو الجنس أو غيره من الولاءات الدنيوية مقدمًا على ولاية الإيمان، فهو حمية الجاهلية التي ذم الله بها الكافرين، قال تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ[ (الفتح: من الآية26) .

وروى أبو داود في"السنن"عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قيل له: أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق؟ قال:"لا"، قال:"ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل"، وقال خيركم الدافع عن قومه ما لم يأثم"، وقال:"مثل الذي ينصر قومه بالباطل كبعير تردى في بئر فهو يجر بذنبه"، وقال:"من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"."

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد، أو جنس أو مذهب، أو طريقة: فهو من عزاء الجاهلية، بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟"، وغضب لذلك غضبًا شديدًا" ["مجموع الفتاوى": (28/328ـ329) ] .

وقد يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى أن المقصود من الموالاة المحرمة قاصر على صورته الأوضح ، والتي هي الميل إلى اتباع المشركين في الدين، والحق أن الولاية المنهي عنها في هذه الآيات تشتمل على ولاية النصرة والتحالف، بل تنصب عليها.

يقول الأستاذ/سيد قطب رحمه الله:

"إن الولاية المنهي عنها هنا (يعني آية التوبة) ولاية التناصر والتحالف معهم، ولا تتعلق بمعنى اتباعهم في دينهم، فبعيد جدًا أن يكون بين المسلمين من يميل إلى اتباع اليهود والنصارى في الدين، إنما هو ولاء التحالف والتناصر الذي كان يلتبس على المسلمين أمره، فيحسبون أنه جائز لهم بحكم ما كان واقعًا من تشابك المصالح والأواصر، ومن قيام هذا الولاء بينهم وبين جماعات من اليهود قبل الإسلام وفي أوائل العهد بقيام الإسلام في المدينة حتى نهاهم الله عنه وأمر بإبطاله. يوضح ذلك قوله تعالى بشأن المسلمين الذين لم يهاجروا: { مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} (لأنفال: من الآية72) أي: ولاية التناصر والتعاون وليس ولاية الدين" [وانظر"في ظلال القرآن": (2/909، 910) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت