فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 830

الإكراه عذر شرعي معتبر بشروطه التي بينها الأصوليون، فمتى وجد انتفى معه التكليف، ولم يؤاخذ المكلف بأفعاله، بل أفعاله وتصرفاته ـ عندئذ ـ موصومة بالبطلان، غير معتبرة شرعًا، إلا أن هذه القاعدة لا تنسحب على مجرد الخوف وتوقع الضرر، فثم حالات لا مجال للاعتذار فيها بمكروه يخشى وقوعه، بل والإكراه ذاته لا اعتبار له إذا ما كان على ما لا يتصور الإكراه فيه، اللهم إلا أن يكون إكراهًا ملجئًا تنتفي فيه إرادة المكلف بالكلية، ومن هذين النوعين الأخيرين مسألتان متعلقتان بموضوعنا هنا: الأولى: خشية الضرر الحاصل من قطع موالاة المشركين، والثانية: الإكراه على القتل.

1ـ الإكراه على موالاة المشركين.

وفيها مسألتان: (أحدهما:) أنه لا يتصور الإكراه على الموالاة القلبية الباطنة، إذ لا سلطان لأحد على قلب أحد، ولذلك حذر الله تعالى عباده من ميل قلوبهم إلى المشركين، لا سيما حال عملهم بالتقية، إذا ما أكرهوا على الكفر، فقال تعالى: { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} (آل عمران:28) .

(والأخرى:) توهم جواز موالاة المشركين لمجرد خوف أذاهم وتوقع الضر منهم.

وأصل هذه الشبهة: الخلط بين التقية بكتمان الدين، والتقية بإظهار الكفر، وثم فرق بينهما جلي، فكتمان الدين يكفي في الإعذار فيه مجرد خوف الضرر، أما إظهار الكفر: فلا بد فيه من تحقق الإكراه، لا مجرد الخوف والتوقع. ولهذا نهى الله تعالى عن موالاة أهل الكتاب، وبين أن موالاتهم ـ ولو مع الخوف ـ كفر، قال الله تعالى:]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض،ٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم،ْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين،َ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم،ْ يَقُولُونَ: نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِه،ِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (المائدة:51، 52) . فالله تعالى لم يجعل مجرد الخشية ـ من أن تكون الدائرة والغلبة للكافرين ـ عذرًا في موالاتهم، بل جعل من تولاهم ـ معتذرًا بذلك ـ منهم.

وإذا تبين لنا أن الإكراه ـ بشروطه المعتبرة ـ يبيح للمكره أن يظهر الكفر، فليعلم أن ذلك على سبيل الترخيص، ولا يقتضي ذلك وجوبَ أو استحبابَ الأخذِ بالرخصة، فإن الرخصة حكم استثنائي عارض ومؤقت، وهي إنما شرعت لسد الخلل، حينما يطرأ على المكلف ما يعرضه لفوات واحدة من الضرورات حال امتثاله للتكليف، فمتى زال الضرر لم تجز في حقه الرخصة، بل الواجب العمل على الخروج من حالة الضرورة متى قدر على ذلك، ثم إن الأولى والأكمل الأخذ بالعزيمة، ولو وصل الإكراه إلى حد القتل.

2ـ الإكراه على قتال المسلمين أو قتلهم.

قتال المسلمين وقتلهم حرام بالإجماع، لقول الله تعالى: { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (الأنعام: من الآية151) ، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (الفرقان: من الآية68) ، وأكد على حرمة المسلم بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء:29) ، يعني: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة" [رواه البخاري: (6878) ، ومسلم: (1676) ، وأحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان] ، وفي لفظ لمسلم:"والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم"وذكره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا"ويشير إلى صدره ثلاث مرات"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" [رواه مسلم: (2564) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت