فهرس الكتاب

الصفحة 747 من 830

وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.

أما من كان محاربًا للمسلمين معينًا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر" ["المحلى"لابن حزم: (13/139ـ140) ] ."

وقال الشيخ حمد ابن عتيق ـ في بيان أقسام المسلمين المقيمين في دار الحرب ـ:"القسم الأول: أن يقيم عندهم رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين (كما هو دأب الكثيرين في هذه الآونة) ، أو يعاونهم على المسلمين بنفسه أو ماله أو لسانه: فهذا كافر عدو لله ولرسوله، لقوله تعالى: { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ } (آل عمران: من الآية28) ، قال ابن جرير: قد برئ من الله وبرئ الله منه، لارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة: من الآية51) ، وقال صلى الله عليه وسلم:"من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله"..." ["الدفاع"لابن عتيق: (10ـ12) ] .

ولما عدَد الشيخ محمد بن عبد الوهاب الأنواع التي يكفر بها المكلف، قال:"النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرون على عداوة التوحيد واتباع أهل الشرك، وهو يعتذر إن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله ونفسه ، فهذا أيضًا كافر، فإنه لو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه، ولا يمكنه ترك ذلك إلا بمخالفتهم، فعل. وموافقته لهم مع الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله، أكبر من ذلك بكثير، فهذا أيضًا كافر، وهو ممن قال الله فيهم: { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} (النساء:91) ."

ثم إن ما يُرجى من مصالح شرعية من وراء إقامة المسلم في بلاد الكفر، كرجاء ظهور الإسلام، أو إفادة المسلمين بعلم أو نحوه، أو لتحسس أخبار أعدائهم، أو لتكثير المسلمين المقيمين في بلاد الشرك ومعونتهم .. إلى غير ذلك من مصالح .. لا ريب أن فواتها لا وجه لمقارنته بمضرة قتال المسلم لأخيه المسلم، وإعانة الكافر عليه، فهذه الأخيرة لا شك أنها أعظم الشرين، وأعم الضررين، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ثم إن دفع الضرر المزعوم هنا أو المتوهم، مما سمته الفتوى (أذى ماديًا أو روحيًا) لا يكون بانتهاك المحرم، ولا سيما مع إمكان دفعه بالمشروع، والمشروع: ترك الدار التي لا يأمن المرء فيها من الفتنة في دينه، كما يقول الشيخ سفر الحوالي ـ حفظه الله ـ:"وإذا تاب المسلمون المقيمون في بلاد الغرب من المعاصي ـ وأعظمها نسيان الولاء والبراء، والذوبان في مجتمع الكفر والفسق ـ رفع الله عنهم البلاء العنصري ، كما أن كل من سافر أو أقام لغير حاجة عارضة، أو ضرورة قاهرة، عاصٍ حتى يتوب، بأن يعود ويفارق دار الكفر، إلا من كان قصده الدعوة ومراده الهجرة" [ذكره في بيانه القيم المنشور على موقع"طريق الإسلام"15/10] .

ثانيًا: حكم الدخول في جيوش المشركين حتى وإن لم تكن في قتال مع المسلمين:

لا يجوز الدخول في جيوش المشركين ابتداء، حتى وإن فرض أنها لن تقاتل المسلمين، وذلك من وجوه:

(الأول:) حرمة موالاة المشركين، باطنًا وظاهرًا، ومن الموالاة الظاهرة الدخول في جيوشهم، ذلك أن عمل الجيوش الأساسي، هو تقوية ونصرة الدول التي تنتمي إليها، وهذه من أبلغ صور الموالاة الظاهرة التي حرمها الشارع تحريمًا قطعيًا.

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة:51) .

قال ابن حزم: "صح أن قول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ إنما هو على ظاهره: بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين"["المحلى": (13/35) ] .

وقال ابن تيمية: "أخبر الله في هذه الآية: أن متوليهم هو منهم، وقال سبحانه: { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (المائدة:81) فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياْ ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب. فالقرآن يصدق بعضه بعضًا" ["الإيمان" لابن تيمية: (14) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت