فهرس الكتاب

الصفحة 746 من 830

" (قالوا) :أي الملائكة: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) ... بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة، وإلى المدينة.. ["روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني"للألوسي: 5/126] ."

قال الحافظ ابن كثير:" ( ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة"، ثم قال:"فهذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية" ["تفسير القرآن العظيم"للعماد ابن كثير: (2/343) ] .

ولسنا نذهب إلى كفر من ترك الهجرة ،مع القدرة عليها، لمجرد هذا الترك، وقد تقدم قول القرطبي: (ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين) ، وجاء في أحكام القرآن للجصاص:"... إذا أسلم الحربي، فأقام ببلادهم، فليس بمسلم .."ـ ثم قال ـ:"... وأما قول الحسن بن صالح في أن المسلم إذا لحق بأرض بدار الحرب فهو مرتد فإنه خلاف الكتاب والإجماع، لأن الله تعالى قال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} (الأنفال: من الآية72) ، فجعلهم مؤمنين مع إقامتهم في دار الحرب بعد إسلامهم، وأوجب علينا نصرتهم بقوله:]وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ (لأنفال: من الآية72) ..." ["أحكام القرآن": 3/219] .

ويدل عليه حديث بُرَيْدَة ـ رضي الله عنه ـ ، وفيه:"ثم ادْعُهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ... فإن أبَوْا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونونَ كأعراب المسلمين ..." [صحيح مسلم برقم(1731] ، فإنه يفيد بأن ترك الهجرة ـ مع القدرة عليها ـ ليس ردة ولا كفرًا.

فإن كان عاجزًا عن الهجرة، فهو معذور بعذر الله له، ]إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (النساء:98) ، وقد قال الله تعالى في تتمة هذه الآية: { فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء:99) .

قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها:"هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا .. ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا) ، قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقًا.."

وقوله تعالى: (فأولئك عسى الله أن يغفو عنهم) أي: يتجاوز من الله عنهم بترك الهجرة، وعسى من الله موجبة" ["تفسير القرآن العظيم": (1/823) ] ."

فمن كان مقيمًا في بلاد الشرك، وفاته شرط من الشروط المذكورة آنفًا، ثم لم يهاجر مع قدرته على ذلك كان آثمًا ولا ريب، فإذا أدى ترك الهجرة إلى الفتنة في الدين والانسلاخ من الملة، كان تركها عندئذ كفرًا، وذلك يدخل فيه ما لو ظاهر المشركين وعاونهم على قتال المسلمين.

وعلى هذه الحالات التي تجب فيها الهجرة ويحرم تركها تحمل الأحاديث التي تنهى عن إقامة المسلم في دار الشرك، كقوله صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"قيل: يا رسول الله، ولم؟ قال:"لا تراءى ناراهما" [رواه أبو داود في"سننه": (3/122) برقم (2787) ، والترمذي (4/155) مرفوعًا، وصححه البخاري مرسلًا، وكذا أبو داود والترمذي والدار قطني إلى قيس بن أبي حازم (وانظر نيل الأوطار"(8/27ـ 28) ، وانظر"جامع الأصول": (4/445) ] ."

وكقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم، أو جامعهم، فهو مثلهم" [رواه الترمذي: (4/156) برقم (1605) ، وانظر"جامع الأصول" (6/667) "قال الذهبي: إسناده مظلم، لا تقوم بمثله حجة" ("نيل الأوطار"للشوكاني:(8/27ـ28) ] .

وكقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" [رواه أحمد في"المسند" (4/99) ، وأبو داود في"السنن" (3/7) برقم (2479) ، والدارمي في سننه (2/239) ، وقال الألباني:صحيح. وانظر"صحيح الجامع الصغير" (6/186) برقم (7346) ] .

وبهذا نخلص إلى لزوم شرط التمكن من إقامة واجبات الدين، وإلا وجبت الهجرة، كما يقول ابن قدامة ـ في بيان استحباب الهجرة في بعض الأحوال ـ: "ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة" ["المغني" لابن قدامة: (10/515) ] . فاشترط لعدم وجوبها: إمكان إقامة الواجب.

ولا ريب أن المشاركة مع جيوش المشركين في قتال المسلمين: ترك لواجب من أعظم الواجبات الشرعية، بل هو ترك لحق من أعظم حقوق الإخوة الدينية، وهو الموالاة التي هي من أهم مقتضيات"لا إله إلا الله محمد رسول الله".

قال ابن حزم:"من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه، وغير ذلك."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت