فهرس الكتاب

الصفحة 745 من 830

ثانية عشر: كيف يستقيم مضمون الفتوى مع ما أفتى به أهل العلم ـ ومنهم الشيخ القرضاوي ـ من حرمة المشاركة مع التحالف أو إعانته أو تأييده، وكيف لو تسترت الدول العربية والإسلامية في ما احتجت به الفتوى، وقالوا ـ أيضًا ـ أنهم معرضون لأذى مادي ونفسي ومئات الملايين من المسلمين معهم، إن هم امتنعوا عما يريده التحالف من مشاركة ومعاونة ومباركة، ولا سيما مع التصريحات التي لم تجعل أمام حكام بلادنا سوى خيار واحد، وهو أن يكونوا مع الولايات المتحدة، وإلا كانوا مع"الإرهاب"يصيبهم ما يصيبه؟!

ولا تزال دعوى الإكراه هي الشبهة التي يعتذر بها كل مُفَرِطٍ في الإسلام وشريعته، ]فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ (المائدة: من الآية52) .

ثالثة عشر: كيف يستقيم مضمون الفتوى مع ما أفتى به أهل العلم ـ ومنهم الشيخ يوسف القرضاوي ـ من جواز القيام بالعمليات الاستشهادية، مع ما يقع فيها من ضحايا من غير المقاتلين، وهل يقتضي ذلك وجوب إقامة حد الحرابة على القائمين بهذه العمليات، إلحاقًا لهم بالأولين، لاتحاد العلة التي يدور معها الحكم حيث دارت؟ وهذه النقطة تعيدنا إلى ما ذكرناه آنفًا من خطأ إطلاقات الحظر والإباحة فيما فيه تفصيل أو تخصيص أو تقييد.

رابعة عشر: كيف يستقيم مضمون الفتوى مع ما أفتى به أهل العلم، من وجوب الدفاع عن أفغانستان، أو أي بلد مسلم يتعرض لعدوان؟ ومعلوم أن هذا الوجوب متعين على كل مسلم، إذا ما عجز أهل القطر المعتدى عليه ومن وراءهم، عن دفع العدو المداهم، أفبهذه الفتوى يأخذ العسكريون المسلمون، أم بتلك التي تجعلهم في خندق العدو ضد الأمة بأسرها؟!

وإذ آتي على ذكر مسائل وأحكام متعلقة بمسألتنا، وأضمنها ما يدعمها ويدعم ملاحظاتي الآنفة، طلبًا للحق الذي هو موضع حرص الجميع، أؤكد على تقبلي ـ بل سعادتي ـ لأي نصح صادق أو نقد نافع، يراد به بلوغ الحق، والله الموفق والهادي إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

أولا: حكم إقامة المسلم في ديار الشرك:

إقامة المسلم في بلاد الشرك تُراوح بين الأحكام الشرعية الخمسة المعروفة: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهية، والتحريم. وذلك بحسب اختلاف الظروف والأحوال والمقاصد، فإذا لم يكن ثم تحريم، وكان حكمها (أي: الإقامة) ـ في حالة معينة ـ مترددًا بين الأحكام الأربعة الباقية، فإنها لا تشرع عندئذ إلا بشروط.

وهذه الشروط هي كما يلي:

1ـ التمكن من النهوض بالتكاليف الشرعية. [انظر المغني لابن قدامة: 10/514ـ ط دار الكتاب العربي 1403هـ] .

2ـ أن لا يخشى على نفسه من الفتنة في الدين، ولو مع تمكنه من إظهار الإسلام، والقيام بفرائضه. . [المصدر السابق] .

على أن إظهار الإسلام لا يقصد به مجرد إظهار الشعائر، بل يقصد به: الجهر بعداوة المشركين، كما في احتجاج خالد بم الوليد على مجاعة، بأنه سكت، ولم يظهر البراءة كما أظهرها"ثمامة""واليشكري"، والقصة مشهورة تجدها في السير.

3ـ أن لا يكون عرضة لإكراهه على مظاهرة المشركين على المسلمين، فضلًا عن أن يبادر بذلك من نفسه دون إجبار، وهو في معنى الشرط السابق، لأنه لا ريب من الفتنة، بل من أكبرها.

فإذا فات شرط من هذه الشروط، وجب عليه الهجرة إلى دار يعلو فيها سلطان الإسلام، وإلا فهو آثم ما لم يكن عاجزًا عن الهجرة، ودليل ذلك كله قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:97) .

جاء في"الروضة الندية":

"قيل: المراد بهذه الأرض: المدينة. والعموم أولى، لأن الاعتبار به، لا بخصوص السبب، كما هو الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها" ["العبرة فيما جاء في الغزو والشهادة والهجرة"لصديق بن حسن القنوجي: ص216] .

وجاء في"المغني"لابن قدامة:

" ( فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه: واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به: فهو واجب" [ انظر المغني لابن قدامة: 10/514] .

وجاء في تفسير القرطبي:

"وقول هؤلاء: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) يعني: مكة، اعتذار غير صحيح، إذ كانوا يستطيعون الحيل، ويهتدون السبيل، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً) ، ويفيد هذا السؤال والجواب: أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة .." ["جامع البيان لأحكام القرآن"للقرطبي: 5/346] .

وجاء في تفسير الألوسي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت