ويمكنك أن تلحظ ـ من السياق ـ دوافع الاستفتاء: من الشعور بالحرج والتأذي النفسي، ما يدل على حرمة المشاركة في هذا القتال، وكما في الحديث:"والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" [رواه أحمد: (4/228) ، والدارمي: (2/245ـ 246) ، وأبو يعلي: (1586) ، (1857) ، والطبراني في"الكبير": (22/403) ] ، وفي ثانٍ:"والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس" [رواه مسلم: (2553) ، وأحمد: (4/182) ، والترمذي: (2389) ، وغيرهم] ، وفي ثالث:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" [رواه الرزاق في"المصنف": (4984) ، وأحمد: (1/299) ، والترمذي: (2518) ، والنسائي: (8/327) ، وغيرهم، وصححه ابن حبان: (722) ] .
تاسعة: وجاء في الفتوى: (وإذا كان العسكريون المسلمون في الجيش الأميركي يستطيعون طلب الخدمة ـ مؤقتًا أثناء هذه المعارك الوشيكة ـ في الصفوف الخلفية للعمل في خدمات الإعاشة وما شابهها ـ كما ورد في السؤال ـ من دون أن يسبب لهم ذلك، ولا لغيرهم من المسلمين الأميركيين، حرجًا ولا ضررًا فإنه لا بأس عليهم من هذا الطلب. أما إذا كان هذا الطلب يسبب ضررًا أو حرجًا يتمثل في الشك في ولائهم، أو تعريضهم لسوء ظن، أو لاتهام باطل، أو لإيذائهم في مستقبلهم الوظيفي، أو للتشكيك في وطنيتهم، وأشباه ذلك، فانه لا يجوز عندئذ هذا الطلب) .
وفي هذا الاستدراك ما يدل على الحرج والتأثم من المشاركة في القتال القائم.
وفيه: إطلاق كلمة الولاء بما يشي بأنه لا حرج من أن يبذل المسلم ولاءه لغير دار الإسلام، ولراية غير راية التوحيد، وهو أخطر ما في الأمر كله، بل المسلم مطالب ـ بمقتضى هذا الكلام ونحوه الذي تكرر في الفتوى في غير موضع منها، أن يكون حريصًا كل الحرص على أن لا يكون موضع شك (مجرد شك) في هذا الولاء!!
أما المستقبل الوظيفي ـ الذي عدته الفتوى ضرورة تبيح المحظور ـ: فهو الصنم الذي استعبدت به أمتنا لصالح الطغاة، ولا موضع له من الإعذار.
عاشرة: القواعد الشرعية غير مطرد العمل بها في كل ما يندرج تحتها من مفردات، إذ إنها ليست كلية ، ومن ثم لا تنطبق أحكامها على كل جزئية من جزئياتها، بل الأمر فيها ـ بالنسبة للفروع ـ هو على الأعم الأغلب، ولذلك يقول ابن نجيم:"لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط، لأنها ليست كلية بل أغلبية" [وانظر"القواعد الفقهية"للندوي: (292) ] .
والمقصود أنهم لا يعتمدون في الفتوى على واحدة من هذه القواعد دون استناد إلى دليل صريح فيما يفتون به، وكذلك لم يعرف عنهم أنهم يطرحون الدليل بالكلية اعتمادًا على قاعدة وحدها.
ولم أجد في الفتوى دليلًا على ما ذهبت إليه من جواز المشاركة في جيوش المشركين، سوى قاعدة"الضرر الأعلى يدفع بتحمل الضرر الأدنى"، وهي على كل غير منطبقة على ما أجازته، بل العكس هو الصحيح.
حادية عشر: وختمت الفتوى بما يلي: ( والخلاصة انه لا بأس ـ إن شاء الله ـ على العسكريين المسلمين من المشاركة في القتال في المعارك المتوقعة ضد من «يُظَنُّ» أنهم يمارسون الإرهاب أو يؤوون الممارسين له ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم، مع استصحاب النية الصحيحة على النحو الذي أوضحناه، دفعًا لأي شبهة قد تلحق بهم في ولائهم لأوطانهم، ومنعًا للضرر الغالب على الظن وقوعه، وإعمالا للقواعد الشرعية التي تنص على أن الضرورات تبيح المحظورات، وتوجب تحمل الضرر الأخف لدفع الضرر الأشد، والله تعالى أعلم وأحكم) .
أ) فهي تجيز للعسكريين المسلمين المشاركة في معركة الظلم والعدوان ضد أفغانستان.
ب) وهي تجيز لهم القتل بالظِنة (ضد من"يُظن"أنهم يمارسون الإرهاب أو يؤوون الممارسين له ويتيحون لهم فرص التدريب والانطلاق من بلادهم) حسب ما جاء في الفتوى.
ج) تؤكد على لزوم دفع شبهة الشك في ولاء المقاتلين المسلمين لمعسكر الكفر والبغي!!
د) تبيح للمسلم قتل أخيه المسلم بذريعة الإكراه، ومن المعلوم أن المكره لا يجوز له ذلك وإن كان فيه قتله، ومن باب أولى إن كان الدافع للقتل مجرد الضرورة التي لا إكراه فيها.
هـ) إذا كان دليل الفتوى الرئيسي الذي اعتُمد عليه هو وجوب قتل المحارب المستوجب لحد الحرابة، كمقدمة منطقية أولى، تكون المقدمة المنطقية الأخرى: ثبوت الاتهام على معين أو معينين، لنصل إلى النتيجة المتولدة من المقدمتين، وهي وجوب قتل أو قتال أولئك المعينين، وإلا فبتخلف هذه المقدمة الأخيرة يصير الإفتاء بمشروعية قتال المسلمين في أفغانستان ضربًا من الإفتئات والبغي، الذي ننزه الأفاضل المفتين عنه،لأنه يجيز للعسكريين الأمريكيين قتال وقتل متهم بريء لم تثبت إدانته.