فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 381

وننبّه في هذه المناسبة على أنَّ لعلماء الأصولِ في العصور الإسلامية الأولى تقريراتٍ في الخطة التي ينبغي أن يسار عليها في حلِّ ما ليس فيه في القرآن والسنَّة شيءٌ صريحٌ ومحددٌ يقومث على أساس حلِّ ذلك وفقا لإجماع علماء المسلمين.

وما لا يكونُ وما لا يمكنُ أن يكون فيه إجماعٌ يُسارُ فيه على مقتضى القياس على أمثالٍ جرت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين. وما لا يكونُ فيه أمثالٌ يسارُ فيه على الاستحسانِ أو الاستصلاح حسب الترتيب. مع واجبِ التنبيه على أن هذه التقريرات ليستْ مٌجمعا عليها، حيث اختلف الأصوليون في إمكانية وواقعية الإجماع وحجيته. وفي الاعتماد على القياس وتعيين مداه أو التوسع فيه. وفي الاستحسان والاستصلاح وظروفهما ومبرراتهما. وهناك من قال بإمكانية وواقعية حجية إجماع صدر الإسلام أو أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقط ؛ لأن مجتهدي هذا العهد وعلماءَه قليلون والرقعةَ غيرُ منبسطة في حين أن المسلمين تفرقوا في أبعاد شاسعة.وصارت واقعيةُ الإجماع وإمكانيته متعذرتين.

وهذا الخلافُ من جهةٍ ،وما هناك من خلافاتٍ اجتهاديةٍ فما ليس فيه نصّ محددٌ وقطعيٌّ ورتبِ الأحاديثِ والأخذ بالاستحسان والقياس والمصالح وعدمه من جهة أخرى من أسباب تعدد المذاهب الفقهية في ذلك.

وهناك خلافٌ بين العلماء المتأخرين في وجوب الوقوف عند أقوال واجتهادات أئمة الفقه المشهورين، وفي جواز الاجتهاد لمن يؤهله علمه وخبرته وممارسته وعقله لاستنباط الأحكام من مآخذها فيما ليس فيه نصّ صريح أو محدد من قرآن وسنة. ونحن مع الجواز. ففضل اللّه لا يجوز حصره وتحريمه على أحد ولا زمن ولا جيل. وكتاب اللّه وسنن رسوله - صلى الله عليه وسلم - موجهة للمؤمنين في كل ظرف ومكان. وفي كتاب اللّه آيات كثيرة تهتف بالمؤمنين إطلاقا ليتدبروا كتاب اللّه ويتفكروا فيه ويعقلوه مع واجب القول إنَّ أقوالَ واجتهاداتِ أئمةِ الفقهِ وعلمائه في القرون الإسلامية الأولى كنوزٌ ثمينةٌ يجبُ أن تكون ملهماتٍ ومآخذَ لمن يتصدون للاجتهاد والنظر من المتأخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت