فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 381

ويلفتُ النظر بخاصة إلى نقطة هامة. وهي أمر الآية بردِّ الأمور المتنازع فيها إلى اللّه ورسوله حصرا. حيث ينطوي في هذا أنه ليس للمسلمين أن يردُّوا ذلك إلى أولي الأمر الذين أمرت الآية بطاعتهم بالإضافة إلى اللّه ورسوله. بل يكون كتاب اللّه وسنة رسوله هما الحكَم في ذلك وأنه ليس لأولي الأمر أن يصدروا في ذلك أوامر غير ما ورد في كتاب اللّه وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ،وأن يحملوا المسلمين على طاعتهم فيما يصدرون.

على أن هناك ما يمكن قوله ففي القرآن والسنّة تشريعاتٌ وأوامرُ ونواهٍ محددةٌ كما فيهما مبادئُ وتلقيناتٌ وتوجيهاتٌ وخطوطٌ عامَّةٌ. وهذه بخاصة شاملةٌ واسعةٌ بحيث يسوغُ القول إنَّ من الممكن على ضوئها حلَّ كلِّ نزاع أو مشكلة أو مسألة ليس فيها تحديدٌ صريح وقطعيٌّ في كتاب اللّه وسنّة رسوله. وهذا من أسرار ترشُّح الشريعة الإسلامية للخلود والشمول فيما يتبادر لنا.

ومرجعية كتاب اللّه وسنّة رسوله تصدُق على هذه كما تصدق على تلك بطبيعة الحال.

والأمورُ المحددةُ القطعيةُ في كتاب اللّه وسنّة رسوله تظلُّ محكمةً لا يجوزُ فيها اجتهادٌ ولا تحويرٌ ولا تبديلٌ. أمَّا عدا ذلك فيصحُّ أن يجتهد في حله في نطاق المبادئ والتلقينات والتوجيهات والخطوط العامة في كتاب اللّه وسنّة رسوله التي ذكرنا شمولها وسعتها. وفي هذه السورة هذه الآية {وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ... [83] } التي يمكن على ما يتبادر لنا أن يقال على ضوئها إنَّ حلَّ الأمور المتنازع فيها والتي يحتاجُ حلّها إلى اجتهاد لعدم ورودها محددة وقطعية في كتاب اللّه وسنّة رسوله يناطُ بأولي الأمر من المسلمين وأهل الحَلِّ والعَقدِ والعلمِ منهم الذين يؤهلُهم علمهم وعقلهم وتجربتهم وممارستهم لاستنباط الأحكام من مآخذها. واستلهامُ تلك المبادئ والتوجيهات والتلقينات والخطوط العامة في كتاب اللّه وسنة رسوله. وقد يصحُّ أن نذكر جملة { وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } في الآية [159] من سورة آل عمران وجملة { وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ} في الآية [38] من سورة الشورى في هذا السياق. وهذا شاملٌ لكل ظرفٍ ومكانٍ وشأنٍ كما هو المتبادر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت