وهذا هو الأسلوب المنطقي والناجع في الواقع، فعلاج الخرافة بالخرافة ، فالمحبة التي كان يكنّها الأتباع لأبيه، ما كانت إلا وليدة الخرافات، التي يتناقلها الأتباع الجهلة بل عمل على تثبيتها مئات العلماء، بالآلاف المؤلفة من الكرامات المفردة والمكرّرة والمنامات الهادئة، التي كانت تسند القداسة، حين يعجز العقل الواعي عن التقديس وقد استطاع محمد الخزنوي، إظهار نفسه لأتباعه بأنه أوحد زمانه بالعلم والمعرفة ولذلك كان يكيل العداء لكل عالم، أو مدعي العلم في نظره، وكل الطرق سدت إلا طريقته، وهذا المرض شائع عند كل الصوفية، فكلهم يرى طريقته هي صلة الوصل الوحيدة بين الأرض والسماء
وكل يدعي وصل بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
وهذه الدعوى وغيرها لا يظهرها على الملأ، وإنما يلقّنها خاصته، الذين يقومون بنشرها بين الأتباع، أما هو فلا يجيد غير تقديس عتبة والده، وأنه أخ لهم وليس شيخًا، وهذا من تواضعه المصطنع، وأنه فرد منهم قائمٌ على رعاية مصالح العتبة لا أكثر، والعتبة قطبٌ لكل الوافدين، وهي ملكٌ للجميع.
وهذا الكلام إن أمعنت النظر فيه، وجدته تزويرًا للحقيقة، وتشويهًا للواقع، لأن العتبة ملك للشيخ وحده، ومن لم يقدم له فروض الطاعة والولاء، يطرد منها شر طردة، هذا إن لم يضرب بعصا أو بحجر .
ورغم تقديسه لعتبة والده، لم يكن محمد الخزنوي يلبث فيها إلا أيام الأعياد والمناسبات الرسمية فرغم ادعائه بالمرض، فقد كان في سفر دائم، يأتي في جنح الظلام، ويغادر كذلك، ولا ندري أإلى العاصمة أم إلى المدينة المنورة ؟!
واليوم الذي يمضيه في القرية، لا يخرج من قصره إلا بعد نفاد صبر الأتباع، الذين تجمعوا أمام بابه .
الفصل الثاني
الطريقة والمرض