فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 392

فانفجر الحضور بالضحك وأولهم أبوه الشيخ ، لتلحظ معي أمرين أولهما مرونة الانسان المصري البسيط وأنه وإن كان ينكر بقوة الغريب عن ما توارثه ورسخ في صدره لكنه يعود إليه سائلا مفتشا عن كنه هذا الرأي الغريب ، متقبلا رويدا رويدا إمكانية التفكير فيه ، لأن بذرة الشك لا تلقى لديه أرضا بورا وإنما عقلا مهما أحكمت أقفاله لن يستعصي على تلقي بذرة الشك وإنبات أوراقها وارفة مظلة ، إنها بذرة الشك التي عرف طه الصبي الأزهري قيمتها مدخلا في الفكر قبل أن يعرفها منهجا فلسفيا كلف به أشد الكلف وهو منهج الشك الديكارتي"1"الذي تعلمه في السوربون.

لم يلبث رأي طه في الكرامات والأولياء أن ذاع وفشي في قريته فأنكره عليه المنكرون وقال بعضهم:"إن هذا الصبي ضال مضل قد ذهب إلى القاهرة فسمع مقالات الشيخ محمد عبده الضارة وآراءه الفاسدة المفسدة، ثم عاد بها ليضل الناس."

لكنهم صاروا يلحون في طلبه ومجادلته فيها وجلهم ينصرف عنه مستغفرا الله من الذنب العظيم مستعيذا به من الشيطان الرجيم.

1 )المنهج الديكارتى: ينسب لفيلسوف اسمه ديكارت ويسمى منهج الشك ، أى أن الشك هو خطوة التأمل الفلسفى الأولى .

عاد طه للأزهر أشد كلفا وولعا فلم يكن ليكتفي بدروس الأزهر بل صار يروم غيره من المساجد المحيطة به يتلقى من هنا وهناك وعلى هذا الشيخ وذاك ، متنقلا بين الأزهر ومسجد محمد بك أبي الذهب ومسجد الشيخ العدوي ، وكان طه لجب السؤال كثير الجدال يرهق شيخه صعدا ، لذا كان لا يحب الجلوس إلا لمن يرضى بالمجادل من الطلبة وما أقل هؤلاء حتى يومنا هذا ، ويتذكر طه حسين شيخه الذي أحتد جداله معه حول علامة الفعل قد حتى صاح الشيخ:"الله يحكم بيني وبينك يوم القيامة"!

يستذكر بإكرام شيخه هذا الذي ربت على كتفه بعد الدرس وقال له:"شد حيلك الله يفتح عليك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت