وعاد طه في أول إجازاته لقريته حاملا معه ما تيسر له حمله من البحر الذي لا ساحل له ، ولم تمضي أيام إلا وبدأ طه صدامه مع أبيه حين قال في قراءته للدلائل: قراءتها عبث لا غناء فيه. فاستهجن منه ابوه ذلك وقال: أهذا ما تعلمته في الازهر؟ فرد طه: نعم وتعلمت أن كثيرا مما تقرؤوه في هذا الكتاب حرام يضر ولا ينفع ، فما ينبغي أن يتوسل الانسان بالانبياء ولا بالأولياء، وما ينبغي أن يكون بين الله وبين الناس واسطة ، وإنما هذا لون من الوثنية. إكفهر وجه الأب لهول ما سمع ورده ردا عنيفا: اخرس قطع الله لسانك لا تعد إلى هذا الكلام وإني أقسم لئن فعلت لأمسكنك في القرية ولأقطعنك عن الأزهر ولأجعلنك فقيها تقرأ القرآن في المآتم والبيوت. لم تزد هذه القصة طه إلا إصرارا وعنادا من هنا نذر طه نفسه لمحاربة الجهل والتعلق بالخرافات ونذر نفسه من أجل الحق لأن الحق أحق أن يتبع دائما حيث وجد مهما كانت المعارك التي قد تتولد من ذلك لكنه كان هذا تماما محراك طه حسين ليس الصبي فحسب بل طه حسين في كل ما كان منه وحوله وظل أبدا الإنسان الذي يثير زوبعة حيث حل ذكره وتبادرت الأذهان ما كان من شأن هذا الإنسان، ومما يذكر بخصوص تلك القصة التي دارت مع أبيه حول دلائل الخيرات ومنازل الأولياء يسرد طه ما أراه درسا فريدا في التعامل مع الشخصية المصرية ، ومدخلا كذلك لإيصال العلم فأبوه الذي هاله رد طه عليه بخصوص قراءة الدلائل ومنازل الأولياء عاد يسأله في غيرما وقت كيف ينفق وقته في القاهرة ؟
فرد طه أنه ينفقه في زيارة الأولياء وقراءة الدلائل!