فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 40

فإن وقع اختلاف بين الرواة يصار إلى الجمع بدون تعسف إذا لاحت قرائن تدل على أن الوجوه محفوظة عن الراوي . وغالبًا ما يكون ذلك إذا كان المختلفون ثقات وعن ثقة حافظ واسع الرواية ، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة كالزهري والثوري وشعبة والأعمش .

وقال ابن هبيرة: قدم علينا عكرمة مصر فجعل يحدثنا بالحديث عن الرجل من الصحابة ثم يحدثنا بذلك الحديث عن غيره ، فأتينا إسماعيل بن عبيد الأنصاري وكان قد سمع من ابن عباس ، فذكرنا ذلك له ، فقال: أنا أخبره لكم ، فأتاه فسأله عن أشياء كان سمعها من ابن عباس فأخبره بها على مثل ما سمع ، قال: ثم أتيناه فسألناه ، فقال: الرجل صدوق ولكنه سمع من العلم فأكثر ، فكلما سنح له طريق سلكه (1) .

قال الإمام علي بن المديني رحمه الله: حديث أبي هريرة: مثل الهجرة على الجمعة ، رواه معمر وأصحاب الزهري عن الأغر عن أبي هريرة ، إلا أن ابن عيينة رواه عن أبي سعيد عن أبي هريرة وجميعًا صحيح (2) .

وكحديث: (( بينا رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ) ) (3)

رواه الزهري وجرير بن زيد عن سالم بن عبد الله واختلفا عليه ، فقال الزهري: عن ابن عمر ، وقال جرير: عن أبي هريرة ، وكلا الحديثين صحيح .

قال ابن حجر: قوي عند البخاري أنه عن سالم عن أبيه وعن أبي هريرة معًا لشدة إتقان الزهري ومعرفته بحديث سالم ، ولقول جرير بن زيد في روايته: كنت مع سالم على باب داره فقال: سمعت أبا هريرة . فإنه قرينة في أنه حفظ ذلك عنه (4) .

قلت: وروى قصته الإمام أحمد مفصلة بلفظ: كنت جالسًا مع سالم بن عبد الله على باب المدينة فمر شاب من قريش كأنه مسترخي الإزار ، قال: ارفع إزارك فجعل يعتذر ، قال: إنه استرخى ، وإنه من كتان فلما مضى قال: سمعت أبا هريرة يقول: ... الحديث (5) .

وقد يكون الاختلاف على حافظ واسع الرواية ولا يمكن أن يصار إلى الجمع بتعدد الطرق ؛ لأن مأخذ الترجيح كان قويًا . فلا ينبغي حينئذ سلوك الطرق المتعسفة في الجمع .

كحديث محمد بن فضيل ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: (( إن للصلاة أولًا وآخرًا ... ) )الحديث (6) .

قال الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ـ أحسب يحيى يريد: (( إن للصلاة أولًا وآخرًا ) )ـ وقال: (( وإنما يروى عن الأعمش عن مجاهد(7) .

وقال أبو حاتم الرازي: هذا خطأ وهم فيه ابن فضيل يرويه أصحاب الأعمش عن الأعمش عن نجاهد قوله (8) .

وقال الترمذي: سمعت محمدًا يقول: حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش ، وحديث محمد بن فضيل ، أخطأ في محمد بن فضيل .

وقال الدار قطني: هذا لا يصح مسندًا ، وهم في إسناده ابن فضيل ، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلًا .

قلت: خالفخ زائد بن قدامة الثقفي وأبو إسحاق الفزاري وأبو زبيد عبثر ، ويؤيد رواية الجناعة أنه انفرد عن الأعمش بذلك وقد سلك الجادة .

قال ابن رجب: إذا روى الحفاظ الأثبات حديثًا بإسناد واحد ، وانفرد واحد منهم بإسناد آخر . فإن كان المنفرد ثقة حافظًا فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة في الأسانيد أو في المتون ... ويقوى قبول قوله إنكان المروي عنه أوسع الحديث ، يمكن أن يجعل الحديث من طرق عديدة كالزهري والثوري وشعبة والأعمش .

ووما يستدل به الأئمة كثيرًا على صة رواية ما انفرد بالإسناد إذا روى الحديث بالإسناد الذي رواه الجماعة (9) .

قلت: ولا سيما إذا جمعهما في سياق واحد . كحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فيتوضأ ) ) (10)

رواه الوليد بن مسلم وشبابة بن سوار وأسد بن موسى وحجاج المصيصي ويحيى القطان ويحيى بن أيوب وحسين بن محمد وابن أبي فديك عن محمد ابن عبد الرحمن عن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة .

وأغرب محمد بن إسماعيل بن أبي فديك فيه بإسنادين آخرين قال: ثنى ابن أبي ذئب عن القاسم بن عباس بن عمير عن أبي هريرة . قال محمد بن أحمد بن عبد الهادي: ثم قال ابن أبي فديك: وحدثني ابن أبي ذئب عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة (11) .

قلت: وليس ذلك غريبًا عليه .

قال يحيى بن معين: كان أروى الناس عن ابن أبي ذئب وهو ثقة (12) . فإن تعذر الترجيح صار الراوي مضطربًا .

وقال المعلمي رحمه الله: والاضطراب الضار: أن يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلًا دون الآخر ، ولا يتجه الجمع ولا الترجيح ، أو يكثر الاضطراب ويشتد بحيث إن ارلاوي الذي مدار الحديث عليه لم يضبط (13) .

كحديث: (( ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ، ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ، أربعون في بطونها أولادها ) ) (14) . اضطرب فيه خالد الحذاء ؛ فرواه بشر ابن المفضل ويزيد بن زريع عن خالد الحذاء عن القاسم عن ربيعة عن يعقوب بن أوس أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حدثه .

ورواه الثوري وهشيم عن خالد عن القاسم عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

ورواه حماد بن زيد ووهيب بن خالد عن خالد عن القاسم عن عقبة بن أوس عن عبد بن عمرو .

ورواه ابن أبي عدي عن خالد عن القاسم عن عقبة بن أوس مرسلًا .

فخالد ـ والله أعلم ـ لم يحفظ الحديث فقد خالفه أيوب السختياني: رواه حماد بن زيد عن أيوب عن القاسم بن ربيعة مرسلًا . وتابعه حميد الطويل ، وخالف شعبة حماد بن زيد فرواه عن أيوب عن القاسم عن عبد الله بن عمرو ورواية حماد أرجح .

قال يحيى بن معين: ليس أحد في أيوب أثبت من حماد بن زيد (15) . واختلاف الثقات على الرجل الضعيف ليس محلًا للجمع بين رواياتهم .

قال الحافظ ابن رجب: فاختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهمًا ، فإنه ينسب إلى الكذب ، وإن كان سيئ الحفظ نسب إلى الاضطراب وعدم الضبط ، وإنما مثل ذلك ممن كثر وقوي حفظه كالزهري وشعبة ونحوهما (16) .

وقال: واعلم أن هذا كله إّا علم أن الحديث الذي اختلف في إسناده حديث واحد . فإن ظهر أنه حديثان لم يحكم بخطأ أحدهما ، وعلامة ذلك: أن كون في أحدهما زيادة على آخر أو نقص منه أو تغير يستدل على أنه حديث آخر ، فهذا يقول علي بن المديني وغيره من أئمة الصنعة: هما حديثان بإسنادين إذا احتمل ذلك وكان متن الحديث يروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجوه متعددة كحديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأما ما لا يعرف إلا بإسناد واحد فهذا يبعد فيه ذلك (17) .

(1) هدي الساري لابن حجر (ص449) .5)

(2) العلل لابن المدين (83) .1)

(3) صحيح البخاري (5790) .2)

(4) فتح الباري (10/273) .3)

(5) مسند الإمام أحمد (2/390) .4)

(6) مسند الإمام أحمد (2/232) .5)

(7) تاريخ ابن معين برواية الدوري (1909) .6)

(8) علل الحديث (1/101) .7)

(9) شرح علل الترمذي (375 ، 376) .1)

(10) أخرجه أبو داود (3161) ، وابن أبي شيبة (2/470) ، والإمام أحمد (18/173) ، (19/59) والبغوي في شرح السنة (2/168) ، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (7254) ، والبيهقي في السنن الكبرى (1/303) ، والخطيب البغدادي في الموضح (1/172) ، وتكلم عليه الدار قطني في العلل (10/378 ، 379) .2)

(11) تنقيح التحقيق (1/509) .3)

(12) تاريخ يحيى بن معين برواية الدوري (2/505) .4)

(13) التنكيل (2/9) .1)

(14) السنن الكبرى (4/231 ، 233) .2)

(15) تهذيب الكمال (7/247 ، 248) .3)

(16) شرح علل الترمذي (108) .4)

(17) شرح علل الترمذي (380) مختصرًا .1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت