الأولى: صريحة في السماع ، وهي سمعت وحدثنا وأخبرنا وقرأ علينا وسمعنا عليه وقال لنا وحكى لنا وذكر لنا وشافهنا وعرض علينا وعرضنا عليه وناولنا وكتب لنا ، أو ما أشبهها من العبارات الدالة على الاتصال ، النافية للانفصال (1) .
الثانية: محتملة للاتصال وعدمه ، وهي أنا وقال وحدث وذكر وغيرها .
الثالثة: صريحة في الانقطاع ، وهي حُدثت وأُخبرت وغيرهما مما في معناهما .
الرابعة: أن وعن وليست ألفاظًا للأداء ، وسبب إدخالها ضمنها ؛ أنها تذكر في سياق الإسناد كألفاظ الأداء ونيابة عنها .
وهناك فرق دقيق بين (عن) و (أن) (2) ، وحاصل الفرق: أن الراوي إذا قال: عن فلان ، فلا فرق أن يضيف القول أو الفعل في اتصال الإسناد .
وإذا قال: أن فلانًا ، ففيه فرق ؛ وذلك أن ينظر ، فغن كان خبرها قولًا لم يعتمد لمن لم يدركه
التحقت بحكم عن بلا خلاف . كأن يقول التابعي أن أبا هريرة قال: كذا وكذا .
وإن كان خبر (أن) فعلًا ، نظر إن كان الراوي أدرك ذلك الفعل التحقت بحكم عن ، وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها ، إلا ممن لازمه كقول عروة: قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم .
وكلمة (عن) خاصة أظهر في الاتصال عرفًا فيمن أمكن لقاء أحدهما من الآخر إلا من مدلس ، واستعملها المتأخرون في الإجازة .
واقتصر رواة الأحاديث عن قولهم: حدثنا وأخبرنا بعن للتخفيف ، وقال الخطيب البغدادي: وإنما استجاز كتبه للحديث الاقتصار على العنعنة لكثرة تكررها ، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد ، فتكرار قول المحدث ( ثنا فلان ) عن سماعه من فلان يشق ويصعب ، وفي كل حديث لو أورد مثل ذلك الإسناد ، لطال واضجر ، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا العشرة وزيادة على ذلك ، وفيه إضرار بكتبة الحديث وخاصة المقلين منهم والحاملين لحديثهم في الأسفار (3) .
قال الوليد بن مسلم: كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: ثنا يحيى قال: ثنا فلان قال: ثنا فلان حتى ينتهي ، فربما حدثتك حدثني وربما قلت: عن عن تخففنا من الأخبار (4) .
قال المعلمي: كلمة (عن) ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها بل هي من لفظ من دونه ، كما لو قال همام: حدثنا قتادة عن أنس ، فكلمة (عن) من لفظ همام ؛ لأنها متعلقة بكلمة حدثنا ، وهي من قول همام ، فبهذا يتضح أنه في قول همام: حدثنا قتادة عن أنس ، لا يدري كيف قال قتادة فقد يكون قال: حدثني أنس أو قال أنس أو حدث أنس أو ذكر أنس أو سمعت أنسًا ، أو غير ذلك من الصيغ التصريح بالسماع أو تحتمله ، لكن لا يحتمل أن يكون قال بلغني أنس ، إذ لو بال هكذا لزم همامًا أن يحكي لفظة أو معناه كأن يقول: حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس وإلا كان همام مدلسًا تدليس التسوية وهو قبيح (5) . انتهى .
قلت: وقد تأتي كلمة (عن) من قول الراوي الذي يذكر اسمه قبلها أحيانًا . وقد تستعمل (عن) في التعبير عن القصة ؛ كرواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن البهزي قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دعوه فإنه يوشك ظلن يأتي صاحبه ) )، فجاء البهزي وهو صاحبه فقال: شأنكم به ... الحديث .
قال ابن حجر: وظاهر هذا يعطي أن عمير بن سلمة رواه عن البهزي ، وليس كذلك ، بل عمير بن
سلمة حضر القصة وشاهدها كلها .
فقد رواه الليث بن سعد أن يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عيسى ابن طلحة عن عمير بن سلمة ، قال: بينما نحن مع رسول الله صلى اله عليه وسلم ... فذكر الحديث .
قال ابن أبي حاتم: حديث ابن الهاد أشبه ؛ لأن في حديث ابن الهاد ذكر البهزي ، والحديث عن عمير وكان المجني على الحمار البهزي (6) .
قال موسى بن هارون: الظاهر أن قوله: عن البهزي من زيادة يحيى بن سعيد كان أحيانًا يقولها وأحيانًا لا يقولها ، وكان هذا جائزًا عند المشيخة الأول أن يقولوا: عن فلان ، ولا يريدون ذلك الرواية وإنما معناه: عن قصة فلان (7) .
قال الحافظ بن حجر: وأمثلة ذلك كثيرة ، ومن تتبعها وجد سبيلًا إلى التعقب على أصحاب المسانيد ومصنفي الأطراف ، في عدة مواضع يتعين الحمل فيها على ما وصفناه من المراد بالعنعنة . والله أعلم (8) .
(1) السنن الأبين لابن رشيد (17) . (2) 2)
(2) شرح علل الترمذي (221،222) التقييد والإيضاح للعراقي (85ـ86) والنكت للحافظ ابن حجر (228ـ229) . (3) 3)
(3) الكفاية (390) . (1) 1)
(4) الكفاية (390) . (2) 2)
(5) التنكيل (1/82) . (3) 3)
(6) علل أبي حاتم (1/299) . (1) 1)
(7) التمهيد لابن عبد البر (23/343) النكت على كتاب ابن الصلاح (227) . (2) 2)
(8) النكت على كتاب ابن الصلاح (228) . (3) 3)