فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 40

وقال حسين بن حبان: قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة فردها عليه أصحاب الحديث ، إن هو رجح عنها وقال: ظننتها ، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها ؟ فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشئ فيرجع عنه ، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا ، فقلت ليحيى: ما يبرئه ؟ قال: يخرج أصلًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث ، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق ، فيكون شبه له فيها وأخطأ كما يخطئ الناس فيرجع عنها ، قلت: فإن قال: قد ذهب الأصل وهي في النسخ ؟ قال: لا يقبل منه ، قلت: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة وليس أجدها ؟ فقال: هو كذاب أبدًا حتى يجئ بتابه العتيق ، ثم قال: هذا دين لا يحل فيه غير هذا (1) . انتهى .

ومن أسباب سقوط الراوي عن حيز الاعتبار بخبره أنه إذا ما بين له خطؤه لم يرجع عنه ، استكبارًا وأنفًا .

قال ابن مهدي: قلت لشعبة: من الذي يترك الرواية عنه ؟ قال: إذا تمادى في غلط مجمع عليه ، ولم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه ، أو رجل يتهم بالكذب (2) . انتهى .

وقال يحيى بن معين: من قا لإني لا أخطئ في الحديث فهو كذاب (3) .

وقال حمزه بن يوسف السهمي: وسألته ـ يعني: الدار قطني ـ عمن يكون كثير الخطأ ؟ قال: إن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط ، وإن لم يرجع سقط (4) .

وقال أبو حاتم بن حبان: ومن المجروحين من أدخل عليه شئ من الحديث وهو لا يدري ، فلما تبين له لم يرجع عنه وجعل يحدث به آنفًا من الرجوع عما خرج منه ، وهذا لا يكون إلا من قلة الديانة والمبالاة بما هو مجروح في فعله ، فإن سلم في أول وهلة وهو لا يعلم بما يحدث به ثم علم وحدث بعد العلم بما ليس من حديثه وإن كان شيئًا يسيرًا ؛ فقد دخل في جملة المتروكين لتعدية ما ليس الترك (5) .

وسئل أبو بكر محمد بن إسحاق: لم رويت عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب وتركت سفيان بن وكيع ؟

فقال: لأن أحمد بن عبد الرحمن لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها عن آخرها ، إلا حديث مالك عن الزهري عن أنس: (( إذا حضر العشاء ... ) )، فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس ، وأما سفيان بن وكيع فإن وراقة أدخل عليه أحاديث فرواها ، وكلمناه فيها فلم يرجع منها ، فاستهرت الله وتركت الرواية عنه (6) .

وقال الخطيب البغدادي: فيجب على المحدث الرجوع عما رواه إذا تبين أنه أخطأ فيه ، فإذا لم يفعل كان آثمًا . وعلى الطالب الإمساك عن الاحتجاج له (7) .

قال المعلمي: الخطأ الذي يضر الراوي الإصرار عليه هو ما يخشى أن تترتب عليه مفسدة ، ويكون الخطأ من المصر نفسه ، وذلك كمن يسمع حديثًا بسند صحيح فيغلط فيركب على ذاك السند متنًا موضوعًا فينبهه أهل العم فلا يرجع (8) .

قلت: وإن كان متأكدًا من قوله ومن صحة كتابه فالأولى أن يتوقف عن روايته لذلك الخطأ ، وإن رواه فيحفظ خطؤه ولا يسقط حديثه .

قال ابن حبان: علي بن عاصم كان ممن يخطئ وقيم على خطئه ، فإذا بين له لم يرجع ، والذي عندي في أمره: ترك ما انفرد به من الأخبار والاحتجاج بما وافق لاثقات ؛ لأن له رحلة وسماعًا وكتابة ، وقد يخطئ الإنسان في يستحق الترك ، وأما ما بين له من خطئه فلم يرجع فيشبه أن يكون في ذلك متوهمًا أنه كان كما حدث (9) .

وقال الإمام أحمد في محمد بن عبيد الطنافسي: يخطئ ويصر وهو ثقة (10) .

وقال يحي بن سعيد القطان: إذا كان الشيخ يثبت على شئ واحد خطأ كان أو صوابًا فلا بأس به ، وإذا كان الشيخ يقول كل شئ يقال له ، فليس بشئ (11) .

قال الحميدي: فأما من اقتصر على ما في كتابه ، فحدث به ولم يزد ولم ينقص منه ما يغير معناه ، ورجع عما يخالف فيه ، بوقوف منه عن ذلك الحديث ، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ، ولم يغره فلا يطرح حديثه ، فلا يكون ضارًا في حديثه ، إذا لم يقبل التلقين ؛ لأنني وجدت الشهود يختلفون في المعرفة بحد الشهادة ، ويتفاضلون فيها كتفاضل المحدثين ، ثم لا أجد بدًا من إجازة شهادتهم جميعًا ، ولا يلزمني أن أرد شهادة من كان هكذا حتى يكون له من المعرفة ما لهذا ، فهكذا المحدثون على ما وصفت لك (12) .

قلت: ينبغي التثبت في جرح الرواة ، وألا يجرح الراوي إلا بما صح الإسناد إليه من الأوهام ، ولا يوجد غيره في الإسناد ممن ينظر فيه غيره أو أضعف منه .

وقال محمد بن إبراهيم الملطي: جاء يحيى بن معين إلى عفان ليسمع منه كتب حماد بن سلمة ، فقال له: ما سمعتها من أحد ؟ قال: نعم حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة ، فقال: والله لا حدثتك . فقال: إنما هو درهم وأنحدر إلى البصرة وأسمع التبوذكي . فقال: شأنك . فانحدر إلى البصرة وجاء إلى موسى بن إسماعيل ، فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد ؟ قال: سمعتها على الوجه عن سبعة عشر نفسًا وأنت الثامن عشر . فقال: وماذا تصنع بهذا ؟ فقال: إن حماد كان يخطئ فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره ، فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شئ علمت أن الخطأ من حماد نفسه ، إذا اجتمعوا على شئ عنه وقال واحد منهم بخلافه علمت أن الخطأ منه لا من حماد ، فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أُخطئ عليه (13) .

قال أبو حاتم بن حبان: الإنصاف في نقلة الأخبار استعمال الاعتبار فيما رووا ، وإني أمثل للاعتبار به ما وراءه ؛ وكأنا جئنا إلى حماد بن سملة ، فرأيناه روى خبرًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لم نجد ذلك الخبر عن غيره من أصحاب أيوب ، فالذي يلزمنا في التوقف عن جرحه والاعتبار بما روى غيره من أقرانه ، فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر هل رواه أصحاب حماد عنه أو رجل منهم وحده ؟ فإن وجد أصحابه قد رووه علم أن هذا قد حدث به حماد ، وإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه ألزق بذلك الراوي دونه ، فمتى صح أنه روى عن أيوب ما لم يتابع عليه ، يجب أن يتوقف فيه ولا يلزق به الوهن ، بل ينظر هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب ، فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل يرجع إليه ، وإن لم يوجد ما وصفنا نظر حينئذ هل روى هاذ الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات ؟ فإن وجد ذلك صح أن الخبر له أصل ، وإن لم يوجد ما قلنا نظر هل روى هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير أبي هريرة ؟ فإن وجد ذلك صح أن الخبر له أصل ، ومتى عدم ذلك ، والخبر يخالف الأصول الثلاثة علم أن الخبر موضوع لا شك فيه ، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه (14)

وقال: وإذا روى رجل مجهول لا يعرف بالعدالة ، عن ضعيف شيئًا منكرًا ، لا يتهيأ إلزاق القدح بإحداهما دون الآخر إلا بعد السبر ، على أن مجانبة ما روى أحرى ، حتى توجد له رواية عن الثقاتن بما يوافق الأثبات ، متعرية عن المناكير ، فحينئذ يدخب في جملة أهل العدالة ، ويلزق ذلك الحديث المنكر الذي روى عنه ذلك الضعيف ، بالضعيف دونه ، هذا حكم ذلك الجنس من الناس (15) . انتهى

وقال الحسين بن إدريس: سمعت محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي يقول في إبراهيم بن طهمان: ضعيف مضطرب الحديث ، قال: فذكرته لصالح جزرة ، فقال: ابن عمار من أين يعرف حديث إبراهيم ؟! إنما وقع حديث إبراهيم في الجمعة ، يعني: الحديث الذي رواه ابن عمار عن المعافى بن عمران عن إبراهيم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: (( أول جمعة جمعت بجواثا ... ) )قال صالح: والغلط فيه من غير إبراهيم ؛ لأن جماعة رووه عنه عن أبي جمرة عن ابن عباس ، وكذا هو في تصنيفه ، وهو الصواب ، وتفرد المعافى بذكر محمد بن زياد فعلم أن الغلط منه لا من إبراهيم (16) .

قلت: وأختم هذا الفصل ، بمثال يتضح منهج كبار النقاد في الحكم على الرواة ، فيه فوائدج وعبر كثيرة:

قال أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي: كنا نختلف إلى إبراهيم بن نصر بن أبي الليث سنة ست عشرة ومائتين أنا وأبي أحمد ويحيى بن معين ومحمد بن نوح وأحمد بن حنبل في مجلس نسمع منه تفسير الأشجعي ، فكان يقرأه علينا من صحيفة كبيرة ، فأول من فطن له ـ أي أنه كذاب ـ أبي ، فقال له يا أبا إسحاق هذه الصحيفة كأنها أصل الأشجعي ؟ قال: نعم ، كانت له نسختان فوهب لي نسخة ، فسكت أبي .

فلما خرجنا من عنده ، قال لي: أي بُني عناؤنا إلى هذا الشيخ باطلًا ، الأشجعي كان رجلًا فقيرًا وكان يوصل ، وقد رأيناه وسمعنا منه ، من أين كان يمكنه أن يكون له نسختان ؟ فلا نقل شيئًا واسكت .

فلم يزل أمره مستورًا حتى حدث بحديث أبي الزبير عن جابر في الرؤية ، وأقبل يتبع كل حديث فيه رؤية يدعيه ، فأنكر عليه ذلك يحيى بن معين لكثرة ما ادعى وتوقّى أن يقول فيه شيئًا .

وحدّث بحديث عوف بن مالك أن الله إذا تكلم بثلاثمائة لسان ، فقال يحيى: هذا الحديث أنكر على نعيم الفارض ، من أين سمع هذا من الوليد بن مسلم ؟! فجاء رجل خراساني ، فقال: أنا دفعته إلى إبراهيم بن أبي الليث في رقعة في تلك الجمعة . فقال يحيى: لا يسقط حديث رجل برجل واحد .

فلما كان بعد قليل حدذث بأحاديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين ، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض ؟ وضحك ربنا من قنوط عباده ، حدّث بها عن هشيم عن يعلى ابن عطاء .

فقال يحيى بن معين: إبراهيم بن أبي الليث كذاب لا حفظه الله ! سرق الحديث ، اذهبوا فقولوا له يخرجها من أصل عتيق ، فهذه أحاديث حماد بن سلمة لم يشركه فيهه أحد ، ولو حدث بها عن هشيم عن يعلى بن عطاء ليس فيها خبر ، قلنا: لعل هشيمًا أن يكون دلسها كما يدلس ! فقال: هشيم أخبرنا يعلى ابن عطاء علمنا أن إبراهيم كذاب .

وكان يحيى إذا ذكره ، قال: أبو عراجة ، وكان يجمع .

قال أحمد بن الدورقي: والذي أظن في أمر كتب الأشجعي أن إبراهيم بن الليث خرج إلى مكة مع ولد أحمد بن نصر فمر بالكوفة ، ومضى إلى عيال أبي عبيدة بن الأشجعي بعد موته ، فاشترى كتب الأشجعي وقعد يحدث بها (17) .

(1) الكفاية (117 ـ 199) .4)

(2) كتاب المجروحين (1/79) .5)

(3) الجامع الخطيب للبغدادي (2/41) .6)

(4) سؤالات السهمي للدار قطني برقم: (1) .7)

(5) كتاب المجروحين (1/78 ، 79) .1)

(6) الجامع للخطيب البغدادي (2/40) .2)

(7) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/40) .3)

(8) طليعة التنكيل مطبوع ضمن التنكيل (1/41) .4)

(9) كتاب المجروحين (2/113) .5)

(10) ميزان الاعتدال (3/936) .6)

(11) الكامل لابن عدي (1/99) .1)

(12) الكفاية (230) .2)

(13) كتاب المجروحين (1/32) .3)

(14) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/155) .1)

(15) كتاب المجروحين (3/95) .2)

(16) تهذيب التهذيب (1/118) .3)

(17) تاريخ بغداد (6/193 ، 194) .1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت