العرب إلى الإسلام ثم أشرك معهم أهل الكتاب لأنهم أقرب إلى الإيمان بإبراهيم وأجدر بإجلاله واتباعه وانتقل الكلام بهذه المناسبة إلى بيان وحدة الدين الإلهي واتفاق النبيين في جوهره، وبيان جهل أهل الكتاب بهذه الوحدة وقصر نظرهم على ما يمتاز به كل دين من الفروع والجزيئات، أو التقاليد التي أضافوها على التوراة والإنجيل فبعد بها كل فريق من أهله يحتكر الإيمان لنفسه ويرمى الآخر بالكفر والإلحاد وان كان نبيهم واحدًا وكتابهم واحدًا وأن اليهود والنصارى يدعون إلى النصرانية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها وهذا الأسلوب معهود في اللغة ولو صدق واحد منهما لما كان إبراهيم مهتديًا لأنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، كيف وهم متفقون على كونه إمام الهدى والمهتدين، لذلك قال تعالى ملقنًا لنبيه البرهان الأقوى في محاجتهم: {قل بل ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين} ، أي بل نتبع أو اتبعوا ملة إبراهيم الذي لا نزاع في هداه ولا في هديه، فهي الملة الحنيفية القائمة علي الجادة بلا انحراف ولا زيغ، العريقة في التوحيد والإخلاص بلا وثنية ولا شرك.
والحنيف في اللغة المائل، وإنما أطلق على إبراهيم لأن الناس في عصره كانوا علي طريقة واحدة وهي الكفر فخالفتهم كلهم وتنكب طريقهم، ولا يسمي المائل حنيفًا إلا إذا كان الميل عن الجادة المعبدة [[1] ]).
ويعلق (رشيد رضا) علي ديانة العرب آنذاك قائلًا:"إن بعض العرب كانوا يسمون أنفسهم الحنفاء وينسبون إلى إبراهيم و يزعمون انهم علي دينه، وكان الناس يسمونهم الحنفاء ايضًا، والسبب في التسمية والدعوى أن سلفهم كانوا علي ملة إبراهيم حقيقة ثم طرأت عليهم الوثنية فأخذتهم عن عقيدتهم وأنستهم أحكام ملتهم وأعمالها نسوا بعضها بالمرة وخرجوا ببعض آخر عن أصله ووصفه كالحج، ونفي الشك عن إبراهيم في آخر الآية احترس من وهم الواهمين، وتكذيب لدعوى المدعين، أقول لا بدع أن ينسي الأميون ما كانوا عليه فإن أهل الكتاب خرجوا بدينهم عن وضعه الأول فنسوا بعضًا وزادوا فيه ونقصوا منه، فاليهود أضافوا التلمود إلى ما عندهم من التوراة وسموا مجموع ذلك مع تفاسيره وآراء أحبارهم باليهودية وأما النصارى فقد ظهر دينهم بشكل لو رآه الحواريون الذين أخذوا الدين عن المسيح مباشرة لما عرفوا أي دين هو [[2] ]."
(1) - تفسير المنار: رشيد رضا، ج1/ص480.
(2) - نفس المرجع السابق.