وأيَّامًا كان فالقول فيه هو والقول في تفسير التمني بالمعنى المشهور سواء، أي إذا قرأ على الناس ما أنزل إليه؛ ليهتدوا به ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته، أي وسوس لهم في نفوسهم ما يناقضه وينافيه بوسوسته للناس التكذيب والإعراض عن التدبر؛ فَشَبَّهَ تسويلَ الشيطان بوسوسته للكافرين عدم امتثال النبي بإلقاء شيء في شيء؛ لِخَلْطه وإفساده.
وعندي في صحة إطلاق لفظ الأُمْنِيَّة على القراءة شك عظيم؛ فإنه وإن كان قد ورد تمنّى بمعنى قرأ في بيت نسب إلى حسان بن ثابت إن صحت رواية البيت عن حسان على اختلاف في مصراعه الأخير:
تمنى كتاب الله أول ليله ... تمني داود الزبور على مهل
فلا أظن أن القراءة يقال لها أمنية.
ويجوز أن يكون المعنى أن النبي إذا تمنى هَدْي قومه، أو حرص على ذلك فلقي منهم العناد، وتمنى حصول هداهم بكل وسيلة ألقى الشيطان في نفس النبي خاطر اليأس من هداهم عسى أن يقصر النبي من حرصه أو أن يضجره.
وهي خواطر تلوح في النفس، ولكن العصمة تعترضها؛ فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع ويرسخ في نفس الرسول ما كُلّف به من الدأب على الدعوة، والحرص على الرشد؛ فيكون معنى الآية على هذا الوجه مُلَوِّحًا إلى قوله _تعالى_: [وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ] .
و [ثُمَّ] في قوله: [ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ] للترتيب الرتبي؛ لأن إحكام الآيات وتقريرها أهم من نسخ ما يلقي الشيطان؛ إذ بالإحكام يتضح الهدى، ويزداد ما يلقيه الشيطان نسخًا.
وجملة: [وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] معترضة.