أما أنا فالذي أراه أن المصير إلى كلا الحالين من البيع والتصبير لما فضل عن حاجة الناس في أيام الحج؛ لينتفع بها المحتاجون في عامهم _ أوفق بمقصد الشارع؛ تجنبًا لإضاعة ما فضل منها؛ رعيًا لمقصد الشريعة من نفع المحتاج، وحفظ الأموال مع عدم تعطيل النحر والذبح للقدر المحتاج إليه منها المشار إليه بقوله _تعالى_: [فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ] وقوله: [كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ] جمعًا بين المقاصد الشرعية.
وتَعْرِضُ صورة أخرى وهي توزيع المقادير الكافية للانتفاع بها على أيام النحر الثلاثة بحيث لا يتعجل بنحر جميع الهدايا في اليوم الأول؛ طلبًا لفضيلة المبادرة؛ فإن التقوى التي تصل إلى الله من تلك الهدايا هي تسليمها للنفع بها.
وهذا قياس على أصل حفظ الأموال كما فرضوه في بيع الفرس الحُبْس إذا أصابه ما يفضي به إلى الهلاك أو عدم النفع، وفي المعاوضة لربع الحبس إذا خرب. 17/268_269
12_ وحكم الهدايا مركب من تعبد وتعليل، ومعنى التعليل فيه أقوى، وعلته انتفاع المسلمين، ومسلكُ العلةِ الإيماءُ الذي في قوله _تعالى_: [فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ] .
واعلم أن توهم التقرب بتلطيخ دماء القرابين وانتفاع المتقرب إليه بتلك الدماء_ عقيدة وثنية قديمة؛ فربما كانوا يطرحون ما يتقربون به من لحم وطعام؛ فلا يدعون أحدًا يأكله، وكان اليونان يشوون لحوم القرابين على النار حتى تصير رمادًا ويتوهمون أن رائحة الشواء تسر الآلهةَ المُتَقَرَّبَ إليها بالقرابين.
وكان المصريون يلقون الطعام للتماسيح التي في النيل؛ لأنها مقدسة. 17/269