أيها المسلمون، من رأى منكم شيخا كبيرا تهدلت أشفارُ حاجبيه على عينيه، وتوكأ على العصا بيديه وكلت قواهُ عن دفعِ رجليه، فأعلموا أنه كان من عهدٍ قريبٍ شابا يحملُ الأثقالَ ويصارعُ الأبطالَ ولا يملُ السفرَ والترحال، يضربُ في الأرضِ ويتسلقُ الجبالَ، يعسفُ الخيلَ والجمال، فيا سبحان الله ما الذي غيرَه وما الذي حولَه؟ إنها سنةُ اللهِ في خلقِه حيثُ يتعاقبُ الملوان ويمضي الزمان.
وتأملوا أيها المسلمون كيف مضى ويمضي الزمانُ على أممٍ سادت وملكت ثم قضت وانتهت:
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) (مريم:98) .
أين الملوكُ ذوي التيجانَ من إرم وأين منهم أكاليلُ وتيجانُ
وأين ما شادَه شدادُ في إرمٍ وأين ما ساسَه في الفرسِ ساسانُ
أتى على الكلِ أمرًا لا مردَ له حتى قضوا فكأن القومَ ما كانوا
قال الله عز وجل:
( َفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * ما أغنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)
كان عمرُ ابنُ عبد العزيز إذا قرأ هذه الآيةَ جلس عن عرشِ الخلافةِ وخر على الأرضِ جاثيا يتلوها وهو يقلبُ لحيتَه في يده ويردد هذه الآية:
( َفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * ما أغنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) ، يرددُها حتى تبلَ دموعُه لحيتَه.
اسألوا من قضى عقودَ عمرِه في النعيمِ والملذات، كيف يجدُ طعمَ الفراق، وكيف يطلبُ من العمرِ المزيد:
المرءُ يرغبُ في الحياة وطولُ عيشٍ قد يضُره
تفنى بشاشُته ويبقى بعد حلو الدهرِ مره
وتسوئه الأيامُ حتى ما يرى شيئا يسره