ثم إن أبا صالح كان معلّمَ كُتّاب، فهو لم يقصد من إخباره عن نفسه تعليمَه أهلَ مكّة: أنه كان إمامًا في القراءة أو علوم القرآن (كالتفسير) في زمنه بمكّة، ولَفْظُ أبي صالح يشهد لهذا المعنى.
فأن يَخْفَى ذِكْرُ أبي صالح (مُعَلّم الكُتّاب) على عَمرو بن دينار المكي ليس بالأمر المستغرب، ولا في ذلك دليلٌ على كذب أبي صالح !!
أمّا عبارات التضعيف الخفيف، سوى ما سبق:
فقال علي بن المديني: « ليس بذاك، ضعيف » . (سؤالات محمد بن عثمان رقم 118) ، وقال الإمام مسلم -كما سبق-: « قد اتّقى الناس حديثَه » . (فتح الباري لابن رجب 3/201) . وذكره أبو زرعة في الضعفاء (2/604 رقم 42) . وقال الدارقطني: «ضعيف» . (السنن 5/472 رقم 4692) ، وقال أبو أحمد الحاكم: « ليس بالقوي عندهم » . (التهذيب 1/417) .
وأمّا الأزدي فقال: « كذاب » ، والجورقاني فقال: « متروك » . (التهذيب 1/417) ، وكلاهما لا يُقبل منهما ذلك، أمّا الأول فلأنه هو متكلَّم فيه، وأمّا الثاني، فلأنه معارضٌ بمن هم أجل منه وأعرف وأولى بعلم ذلك.
ومن هنا أبدأ بذكر من قَبِلَ حديث أبي صالح، وجعله في دائرة المحتجّ بهم، ولو كان في آخر مراتب القبول.
وأبدأ بقرين عبدالرحمن بن مهدي، والمشهور بالتشدّد أكثر من ابن مهدي، ألا وهو يحيى بن سعيد القطان، فهو أحد أشهر وأجل وأشدّ من لا يروي إلا عن ثقة، وقد روى لأبي صالح، كما في عبارات الإمام أحمد السابقة.
ولم يكتف القطان بذلك حتى كان يقول: « لم أرَ أحدًا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أمّ هانئ، وما سمعت أحدًا من الناس يقول فيه شيئًا، ولم يتركه شعبة، ولا زائدة، ولا عبدالله بن عثمان » . (الجرح والتعديل 2/432، وضعفاء العقيلي 1/166) .