الصفحة 21 من 29

فعبدالرحمن بن مهدي لم يقل عن أبي صالح « متروك الحديث » ، وإنما ترك الحديث عنه؛ لأنه لا يحدث إلا عن مقبول الرواية مُحْتَجٍّ بحديثه، لا لأنه شديد الضعف عنده. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيميّة عن راوٍ: « وأمّا قَوْلُ من قال: تركه شعبة، فمعناه أنه لم يرو عنه. وشعبة، ويحيى بن سعيد، وعبدالرحمن بن مهدي، ومالك، ونحوهم، قد كانوا يتركون الحديث عن أناس لنوع شبهة بلغتهم، لا توجب ردّ أخبارهم، فهم إذا رووا عن شخص كانت روايتهم تعديلًا له، وأما ترك الرواية فقد يكون لشبهة لا توجب الجرح » . (مجموع الفتاوى 24/349-350) .

ومن العبارات التي قد يستدل بها على كذب أبي صالح، ما رواه سفيان بن عيينة، قال: « سمعت إسماعيل أو مالك بن مغول (الشك من الحميدي الراوي عن سفيان) ، قال: سمعت أبا صالح يقول: ما بمكّة أحدٌ إلا وقد علمتُه القرآن، أو علمت أباه. (قال سفيان:) فسألت عَمرو بن دينار عن أبي صالح؟ فقال: لا أعرفه » . (المعرفة والتاريخ للفسوي 2/685، والضعفاء للعقيلي 1/166) .

قلت: من نظر في الذين صحّ سماع عَمرو بن دينار منهم، ومن أدركهم أبو صالح، علم أن أبا صالح أكبر من عَمرو بن دينار. ولذلك ذكر الحافظ عَمرو بن دينار في الرابعة، بينما ذكر أبا صالح في الثالثة.

ثم إن أبا صالح ممن نزل الكوفة، فقد ذكره ابن سعد في الطبقات (8/413) في أهل الكوفة، وذكره الجوزجاني في أحوال الرجال (رقم 64) ، وابن أبي خيثمة في تاريخه (رقم 3775) في الكوفيين أيضًا. ولما ذكره البرديجي في طبقات الأسماء المفردة (رقم 179) ، قال عنه: « كوفي » . ومعنى ذلك أنه استقرّ في الكوفة، وهو ما يشهد له الرواة عنه، فكلّهم أو عامّتهم كوفيون.

فإذا كان قد استقرّ بالكوفة، ثم إنه يَكْبُرُ عَمرو بن دينار في السنّ، فمعنى ذلك أنه خرج من مكّة في صغر عَمرو بن دينار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت