فإن « كان مجاهد ينهى عن تفسير أبي صالح » [كما في التاريخ الكبير للبخاري (2/144) ، والكامل لابن عدي (2/70) ، والجرح والتعديل (2/432) ، لكنه جاء مطلقًا غير مقيد بالتفسير عند ابن أبي حاتم] ؛ فإن لمجاهد (الذي فاق أئمة التابعين قاطبةً في التفسير) أن لا يراه أهلًا لذلك. خاصّةً أنه يُذكر عنه كثرة اعتماده على الصُّحُف، وأنه يأخذ عنها دون إكثار من الأخذ من العلماء، كما قال مغيرة بن مِقْسم: إنما أبو صالح صاحب الكلبي يُعَلّم الصبيان، (ويُضَعِّفُ تفسيره) : قال: كُتُبٌ أصابها، (وتعجّب ممن يروي عنه) . [أخرجه صالح بن الإمام أحمد كما في العلل رواية المروذي وغيره رقم 315، وأخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ 2/782-783، والعقيلي في الضعفاء 1/166] . فهذا الاستضعاف مقبول من إمام المفسّرين مجاهد، وهذا التعليل بالأخذ من الكتب له وجهه في زمنهم. أمّا اليوم وقبله بدهور، فلا يصح الاعتماد على هذه الأحكام لاستضعاف علم أبي صالح في التفسير. ولذلك نقل عنه تفسيره اثنان من جلّة التابعين، ورأياه أهلًا له، وهما إسماعيل بن عبدالرحمن السُّدِّي المفسِّر الكبير، وإسماعيل بن أبي خالد الأحمسي التابعيّ الثقة الحجّة الذي قال عنه العجلي: « كان لا يروي إلا عن ثقة » . (التهذيب: 1/292) . وأودع كثيرًا من أقواله في التفسير أئمة التفسير في كتبهم، كابن جرير وابن أبي حاتم، في حين أنهما تجنّبا تفسير الكلبي ومقاتل بن سليمان والواقدي وأمثالهم (1) ، بل لقد استعرضتُ كل ما رواه له ابن جرير في التفسير، فلم أجد فيه ما يُستنكر، بل عامة تفسيره متابعٌ عليه من أئمة التفسير في زمنه، كمجاهد وعكرمة وأمثالهما.
وفي هذا المعنى قِصّة الشعبي مع أبي صالح، فقد قال إسماعيل بن أبي خالد:
(1) ... إلا الشيء اليسير جدًّا لهؤلاء، من غير اعتماد. فانظر: معجم الأدباء لياقوت (6/2454) .