وما أحسن كلام الذهبي هذا، خاصّةً مع إخراج النسائي له في المجتبى، مُبَوِّبًا على حديثه وحده (رقم 2043) ، دون تعقُّبٍ منه بضعفه. وإنما تعقّب حديثًا آخر، كان يرى أنه لا يصح، في (السنن الكبرى) ، كما نقلنا كلامه آنفًا.
وهذا التصرّف من النسائي يصلح أن يكون من نصيب من كان في آخر مراتب القبول؛ حيث إن الأصل فيمن أخرج له النسائي في المجتبى، دون إعلال لحديثه، أنه مقبول. وأمّا قوله عنه ضعيف، فلا يعارض تلك المنزلة، كما بيّنتُه في المرسل الخفي (1/309-311، 352) ، من أن (ضعيف) وصفٌ قد يوصف به من كان في آخر مراتب القبول؛ لأن فيه ضعفًا موازنةً بالثقة. ويَكْثُر وصف المقبول بهذا الوصف إذا أخطأ، ويزدادُ عدد المقبولين الموصوفين بالضعف في أحكام من كان نَفَسُهُ حادّ، كالنسائي، على عَدَدِهم في أحكام الأئمة المعتدلين في ألفاظهم.
هذه هي أهم ألفاظ الجرح، وذكرنا أنّ من أسبابها رواية الكلبي التفسير عن أبي صالح، ثم دعواه أنه كذب في روايته.
كما أن من أسبابها أن أبا صالح لم يكن مبرّزًا في التفسير تبريز مفسّري عصره، من أمثال مجاهد وغيره من تلامذة ابن عباس. كما أنه لم يكن مبرّزًا في العلم كأئمة التابعين في زمنه، من أمثال الشعبي. كما أنه كانت له صنعة لم تكن من صنائع كبار العلماء، وهي تعليم الصبيان في الكُتّاب. فمِثْلُهُ إذا انتُقِصَ من علمه، أو استُخِفَّ بمعارفه، ومن أئمة التابعين = لا نستغرب ذلك. لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون له اعتباره في العلم، فإن البدر عند الشمس ينمحي نوره.