الصفحة 26 من 32

... الدليل الثاني: العرف والعادة دلّ على أن الأمر بعد الحظر للإباحة, فلو قال السيد لعبده:"لا تأكل من هذا الطعام"، ثم قال له بعد ذلك:"كل منه"، فإن هذا الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة ، لأنه لو لم يأكل لا يذم، ولو أكل لا يمدح ، وهذا هو حد الإباحة .

المذهب الثاني: إذا وردت صيغة الأمر بعد النهي ، فإنها تقتضي ما كانت تقتضيه قبل وجود النهي من وجوب ، أو ندب ، أو إباحة ، أو يتوقف فيها على الخلاف السابق الذكر ، أي: أن الأمر بعد النهي بمنزلة الأمر المبتدأ ، وهو مذهب أكثر المتكلمين ، وأكثر الحنفية ، وأكثر المعتزلة، وأكثر المالكية ، وبعض الشافعية كالبيضاوي. [1]

أدلة هذا المذهب:

... الدليل الأول: أن أدلة إفادة الأمر المطلق للوجوب عامة وشاملة لما تقدمه حظر ولغيره ، ولم توجد قرينة تصرفه عن مقتضاه الحقيقي عندنا وهو الوجوب ، فأشبهت بذلك صيغة الأمر التي لم يتقدمها نهي ، فيكون تقدم النهي على الأمر لم تؤثر عليه .

جوابه:

... نحن نقول: إن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إذا كانت متجردة عن القرائن .

... أما إذا وجدت قرينة صارفة من حمله على الوجوب إلى غيره، فهذا يختلف.

... وهنا لا نسلم أن صيغة الأمر متجردة عن القرينة ، بل تقدم النهي على الأمر قرينة دالة على أن المتكلم لم يستعمل صيغة الأمر للوجوب, بل استعملها للإباحة.

... أي: أن تقدم النهي على الأمر يعتبر قرينة صرفت الأمر من الوجوب إلى الإباحة. .

اعتراض على ذلك:

... قال بعضهم: أن النهي لا يفيد الإباحة بلفظه ولا بمعناه ، لأن لفظ النهي يقتضي المنع والتحريم ، ومعناه لا يوجب ذلك ، لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء محرمًا ، ثم يجعل واجبًا ، فينسخ التحريم بالإيجاب .

جوابه:

(1) ... انظر: الإحكام للآمدي (2/261) , نهاية السول للأسنوي (272) , قواطع الأدلة (1/63)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت