... نحن لا نقول: إن لفظ النهي فقط أفاد الإباحة ، وإنما حصلت الإباحة به، وبما بعده من صيغة الأمر ، كما لو استأذن العبد سيده في فعل شيء ، فقال له السيد:"افعل"، فإنا نحمله على الإباحة بشيئين هما:"استئذان"، والأمر وهو قوله: افعل"."
... الدليل الثاني: قياس الأمر على النهي في ذلك ، بيانه:
... كما أن النهي الوارد بعد الأمر يقتضي ما كان يقتضيه قبل الأمر وهو: التحريم كذلك الأمر الوارد بعد النهي يقتضي ما كان يقتضيه قبل النهي ، وهو: الوجوب ، ولا فرق .
جوابه:
... يجاب عنه بجوابين:
... الجواب الأول: لا نسلم الأصل المقاس عليه وهو قولكم:"إن النهي الوارد بعد الأمر يقتضي ما كان يقتضيه قبل الأمر وهو: التحريم"، بل إن النهي إذا ورد بعد الأمر فهو مقتض للكراهة والتنزيه.
... الجواب الثاني: سلمنا أن النهي إذا ورد بعد الأمر يقتضي التحريم - كما قلتم - ، فلا يجوز أن يقاس عليه الأمر الوارد بعد النهي ، وذلك لوجود الفرق بينهما .
... ووجه الفرق: أن النهي آكد ، لأنه يقتضي قبح المنهي عنه ، وذلك محرم ، بخلاف الأمر ، فإنه: استدعاء للفعل ، وقد يستدعي الشارع ما يوجبه ، وما يستحبه ، وقد يكون المراد به: الإذن بعد المنع ، وهو: الإباحة.
... ويؤيد ذلك: أن النهي يقتضي التكرار ، والفور ، ولكنهم لا يقولون ذلك في الأمر .
... المذهب الثالث: الوقف وعدم الجزم بشيء من الوجوب أو الإباحة.
... وهو مذهب إمام الحرمين .
دليل هذا المذهب:
... أن الأدلة متعارضة بعضها يثبت المذهب الأول, وبعضهم يثبت المذهب الثاني ، ولا مرجح لواحد منها على الآخر ، فالقول برأي معين تحكم وترجيح بلا مرجح ، وهو باطل ، فوجب الوقف .
جوابه:
... أنه لا داعي لهذا التوقف مع قوة أدلتنا على أن الأمر بعد النهي للإباحة, وضعف أدلة المذهب الثاني ، فوجب القول بالإباحة .
بيان نوع هذا الخلاف:
... الخلاف معنوي كما هو ظاهر ، حيث إنه قد أثر في كثير من الفروع الفقهية ، ومنها: