والصحيح في هذه المسألة, أنّ ما ثبت صحته ونسبته إلى الشارع ولو كان آحادًا, وجب اعتقاده والعمل به, وما لم يثبت نسبته فحكمه العكس, وإن كان مستفيضاْ مشهورًا ككثير من الأحاديث التي يحكي السيوطي تواترها, وهي في حقيقة الأمر موضوعة.
المذهب الخامس
حكاه صاحب المراقي بقوله [1] :
والفعل لدى الأكثر للوجوب وقيل للندب أو المطلوب
وقيل للوجوب أمر الرب وأمر من أرسله للندب
ولم أجد بعد بحث قائلًا به, ولا دليلًا ظاهرًا له, وضعفه ظاهر, لمخالفته تقريرات علماء الأمة, من استدلال بكثير من أوامر المصطفى على الوجوب, واعتبارالصحيح منها مع القرآن بالمنزلة الأولى في التشريع.
الترجيح:
وبعد هذا العرض الموجز, أقول وبالله التوفيق: إن القول الراجح من الأقوال السابقة هو مذهب القائلين باقتضاء صيغة افعل الوجوب, وما ذاك إلا لقوة أدلته من جهة, وضعف أدلة المخالفين بنفسها وبمناقشتها, ولتناقضها من جهة, كما بينا ذلك سابقًا في معرض ذكر الأقوال والأدلة.
بيان نوع الخلاف وثمرته:
الخلاف معنوي وهو ظاهر الفائدة, وتظهر فائدته في مسائل كثيرة منها:
1 )إذا قال الإنسان لمن تجب عليه طاعته كعبده وولده:"افعل", فأصحاب المذهب الأول قالوا: يجب عليه الفعل, فإن لم يفعل استحق العقاب.
بخلاف أصحاب المذاهب الأخرى الذين يحملون أمره إمّا على الندب, أو الإباحة, أو التوقف, ولا يجوز حينئذ لومه وعقابه.
2)ويظهر أيضًا في مثل قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف واشهدوا ذوي عدل منكم } [2]
لو خلي عن القرائن, فهل الإشهاد حينئذ واجب, أو مندوب, أو مباح, أو يتوقف في الحكم حتى يأتي مرجح؟ على الخلاف السابق.
وقل مثل ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -:
(1) ... نثر الورود (1/176)
(2) ... سورة الممتحنة آية 2