قال السرخسي: ( ومن يقول: بأن موجب مطلق الأمر الوقف, لا يجد بدًا من أن يقول: موجب مطلق النهي التوقف أيضًا؛ للاحتمال, فيكون هذا قولا ًباتحاد موجبها, وهو باطل, وفيه إبطال حقائق الأشياء) [1]
الدليل الثاني:
_ قالوا: لو كانت صيغة"افعل"حقيقة في الوجوب أو غيره, لما حسن الاستفسار من المأمور بها.
فيقول السيد لعبده: ( اسقني ماء ) فيحسن من العبد أن يقول: هل أمرتني إلزاما ً أو ندبًا ؟َ.
جوابه:
1-لا نسلم أن الاستفهام يحسن من المأمور إذا خلا لفظ الطلب عن قرينة تصرفه عن الوجوب.
2-أنه قد يحصل الاستفهام من المأمور بها, ولكن هذا جاء احتياطا, ً ومنعا ً من اتساع الفهم.
الدليل الثالث:
_قالوا: لا دليل على التعين, وغاية ما مع المعينين من أدلة على التعيين إنما هي:
أ) أدلة عقلية, ولا مدخل للعقل في اللغات.
ب) أدلة نقلية, وغايتها أن تكون آحادًا لا تثبت بها قاعدة أصولية.
جوابه:
1-أن كلامكم هذا إنما هو مطالبة بالدليل, والمطالبة بالدليل ليست بدليل.
2-لو سلمنا أنها دليل, فإنا قد أثبتنا كون صيغة"افعل"للوجوب بأدلة كثيرة, منهاالمتواتر كآي القرآن, ومنها ما هو آحاد كالأحاديث النبوية, ومنا ما هو من قبيل الإجماع كإجماع الصحابة السكوتي والعملي على ذلك.
ثم إن هذا قول أهل اللغة واللسان, وعليه عرف الناس قديما وحديثا, ولا ينازع في ذلك إلا مبطل.
3-ثم إن قولكم: إن الآحاد لا تثبت بها قاعدة أصولية؛ يلزمكم فيه رد الشريعة المحمدية.
فأخبار الشرائع وكثير من أصول الديانات تأتي إلى المكلف بطرق هي في حقيقتها آحاد - على اصطلاح الأصوليين - إن في أصل التشريع, أو في طريق وصوله إلى المكلف,
(1) ... المحرر للسرخسي (1/11) .