1] أن هذا إنما يستقيم لو كان الواجب ندبا ًوزيادة, ولا كذلك, لأنه يدخل في حد الندب جواز الترك, وليس بموجود في الوجوب,
2] أن هذا استدلال بالعقل على أنه يحمل على الندب, وهو معارض باستدلالات كثيرة من الوحي على أنه يحمل على الوجوب, والوحي مقدم على العقل.
3] منتهى دليلهم: الوقوف على حكم الندب عقلا ًحتى يرد دليل من السمع على النقل للوجوب, وقد بينا الأدلة على ذلك.
الدليل الثاني:
واستدلوا كذلك بأن لفظ افعل لو كان للوجوب؛ لما حسن أن يقول العبد لسيده والابن لأبيه ( أعطني درهما ً ) , فلما جاز من العبد والابن في استعمال الناس؛ دل على أن افعل ليست للوجوب
جوابه أن يقال:
1_ إنما كان هنا على غير الوجوب لوجود القرينة الصارفة له, وهي ورود صيغة"افعل"على غير وجهها, وانتفاء الاستعلاء, فيكون صدوره هنا مجازًا , والمجاز لا يلغي الحقيقة.
2_ أن هذا معارض بالنهي, فلو قال المخلوق لخالقه: ( لا تعاملني بعدلك ) لا يقال: إنه هنا يفيد قصد إلزام الترك, لأنه في مقام دعاء ورجاء, وإن كان أصل الصيغة يفيد إلزام الترك, لكن لوجود الصارف جاز الاستعمال.
واستدل القائلون بأنها حقيقة في الندب أيضًا:
بما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه, وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم, فإنما هلك الذين من قبلكم من كثرة مسائلهم, واختلافهم على أنبيائهم) [1]
وأجيب عن هذا: بأنه دليل للقائلين بالوجوب, لا للقائلين بالندب؛ لأن ما لا نستطيعه لا يجب علينا, وإنما يجب علينا ما نستطيعه, والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة [2]
(1) أخرجه البخاري كتاب الإعتصام بالسنة باب الإقتداء بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - (6744) ومسلم كتاب الفضائل باب توقيره - صلى الله عليه وسلم - (4348) ...
(2) انظر: إرشاد الفحول (1/449) ...