المنهج الأول: يرى تقديم الأحاديث الصحيحة على العمل ، أي تقديم السنة المرفوعة على السنة الأثرية .
وقد تزعم هذا المنهج تلاميذ مالك المدنيون وعلى رأسهم ابن الماجشون وناصره فيه من المصريين ابن وهب ، ومن الأندلسيين ابن حبيب وإن كان متأخرًا .
المنهج الثاني: يرى اعتماد الأحاديث التي أيدها العمل وتقديمها ، وبتعبير أوضح يتبنى الفقه الذي اعتمد قبل كل شيء على السنة الأثرية وما تقتضي من مسايرة العمل ، ومن اتخاذ عمل أهل المدينة عملًا مثاليًا ومفسرًا للسنة .
وقد تزعم هذا الاتجاه أكثر تلاميذ مالك المصريين ، وعلى رأسهم عبد الرحمن بن القاسم .
يصور يحيى بن يحيى الليثي هذين المنهجين فيقول:
( كنت آتي عبد الرحمن بن القاسم فيقول لي: من أين يا أبا محمد؟ فأقول: من عند عبد الله بن وهب ، فيقول لي: اتق الله ، فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل .
ثم آتي عبد الله بن وهب فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند ابن القاسم ، فيقول لي: اتق الله با أبا محمد ، فإن أكثر هذه المسائل رأي ).
ثم يفسر يحيى بن يحيى رحمه الله تعالى هذين المنهجين فيقول: ( رحمهما الله فكلاهما قد أصاب في مقالته ، نهاني ابن وهب عن غلبة الرأي وكثرته ، وأمرني بالاتباع وأصاب ) .
ولقد حاول بعض متأخري المالكية التوفيق بين الاتجاهين ، لكن هذه الجهود لم تغير الخطّ الذي رسمه لنا ابن القاسم ، فمنهجه هو الذي كان عليه اعتماد أكثر المالكية وهو الذي ساد على اتجاه أكثر المدارس المالكية .
العامل الثالث: أما العامل الثالث الذي ساعد على ظهور المدارس المالكية فهو البيئة العلمية ، فقد ساعدت البيئة العلمية الفقهية في العراق على نشوء منهج يختلف عن المنهجين السابقين ، إذ هو منهج متأثر بمنهج أهل الرأي الذي كان سائدًا في العراق بانتشار مذهب الحنفية فيه .