فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 372

نفسه بل واقف بغيره ولغيره، فلا جرم ما دمت تنظر إلى الممكن من حيث هو هو امتنع وقوفك، أما الواجب لذاته فإنه مقطع الحاجات فامتنع الانتقال منه إلى غيره، فالطلبات تنقطع عند فضله والحاجات تزول عند التعلق به، فلهذا قال «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» . الثاني: أن جهات حاجات العبد غير متناهية والمخلوقات متناهية والمتناهى لا نسبة له إلى غير المتناهى، فإذا حاجة العبد لا تزول بمجموع المخلوقات، بل لا بد في مقابلة حاجاته التى لا نهاية لها من كرم وقدرة لا نهاية لهما وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى، فلهذا قال «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» .

الحكمة الثانية للذكر: قوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» [1] ففائدة الذكر إزالة الظلمة البشرية، وذلك لأن ما سوى الحق ممكن لذاته والممكن لذاته إذا ترك من حيث هو هو بقى على العدم والعدم منبع الظلمة، فكل ما سوى اللَّه مظلم في ذاته، والحق واجب الوجود لذاته، فحضرته منبع الأنوار، فلا جرم كان الاشتغال محضرة القدس وجناب الجلال يفيد وصول أنوار عالم الربوبية إلى باطن القلب فتزول ظلمات البشرية عن القلب والروح.

واعلم أنه تعالى كما بين منافع الذكر بين أيضا مفاسد الإعراض عن الذكر وهى أمور أربعة. الأول: قوله «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى، قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى» [2] وهذه الآيات صريحة في أن ذكر اللَّه بالنسبة إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى الحدقة المعروفة، والثاني قال «وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» [3] . وتحقيقه أن

(1) الآية (27) من سورة الأعراف.

(2) الآيات (124) ، (125) ، (126) من سورة طه.

(3) الآية (36) من سورة الزخرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت