والصحة والمرض فلم يبق لابن آدم حال رابعة. وقال أيضا: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ» [1] قال بعض المحققين إن اللَّه تعالى لم يفرض على أحد من عباده فريضة إلا جعل اللَّه له حدا معلوما تنتهى إليه، وعذر أهلها في سائر الأحوال، إلا الذكر فإنه لم يجعل له حدا معلوما ينتهى إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا من كان مغلوبا على عقله.
وثالثها: قال «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا» [2] والعلماء ذكروا في هذا التشبيه وجوها الأول: كأنه يقول علمت من تقصيركم أنكم لا تذكرونى كذكركم أولادكم فاذكرونى كذكركم آباءكم. الثاني: أن ذكر الإنسان أباه يكون بالتعظيم وذكر الولد يكون بالشفقة، واللائق بحضرة اللَّه هو التعظيم لا الشفقة.
الثالث: أنت جئت من الأب في الظاهر ومن قدرتى في الحقيقة فأنت تحبنى كما تحب أباك وأنا أحبك كما يحب الولد وإن كنت منزها عن الصاحبة والولد. الرابع:
اذكروا اللَّه كذكركم آباءكم أي بالوحدانية، لأن الابن لو نسب إلى غير الوالدين لاستنكف ونأبى، فلا تجعل لنفسك آلهة كثيرة واستح من إثبات الشركاء.
والخامس: تذكر أباك للاستعانة به في المهمات، فاذكرونى كما يذكر الطفل أباه عند نزول المهمات. السادس: قال ابن عباس إذا ذكر أبوك بسوء تغضب، فكذا إذا ذكر اللَّه بسوء يجب أن تغضب. السابع: أول ما يتكلم الصبى بقوله ايابه فكذا يجب أن يكون ذكر اللَّه تعالى في أول كلامك. الثامن: أنك تكون أبدا رطب اللسان بمناقب الأب، فكذلك يجب أن تكون أبدا رطب اللسان بتسبيح اللَّه تعالى وتمجيده.
ورابعها: ذكر في آيات أخرى حكمة الذكر وهى من وجهين أحدهما قوله «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» [3] وفي تفسير هذه الآية وجهان أحدهما أن ما سوى الحق ممكن لذاته والممكن لذاته يحتاج إلى غيره فالممكن لذاته واقف عند
(1) جزء من الآية (103) من سورة النساء.
(2) جزء من الآية (200) من سورة البقرة.
(3) جزء من الآية (28) من سورة الرعد.