فهرس الكتاب

الصفحة 760 من 866

الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ .."فقوله"صافات"أي باسطات أجنحتها في الجو عند طيرانها،"وَيَقْبِضْنَ"أي وتضمها إذا ضربت جنوبها .. وهاهنا سؤالان:"

السؤال الأول: لم قال ويقبضن ولم يقل قابضات حتى يكون مطابقا لقوله صافات. الجواب: لأن الطيران في الهواء يشبه السباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، أما القبض فطارئ على البسط بالاستظهار به على الحركة، والاسم يدل على الثبات والاستقرار، والفعل يدل على التجدد، فعبّر عن البسط بقوله صافات ليدل لفظ الاسم على أن هذا هو الأصل، وعبر عن القبض بلفظ الفعل ليدل على أن هذا القبض تبع وعلى أن يصدر القبض من الطير تارة بعد تارة كما يكون من السابح، نظيره ما يقاله فلان رجل مناظر ويشعر فهذا يدل على أن حرفته هي المناظرة ثم إنه قد يشعر في بعض الأوقات فكذا هاهنا. ثم قال"ما يُمْسِكُهُنَّ إِلّا الرَّحْمنُ"وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة أجسامها وضعف أدمغتها وقلة اهتدائها إلى الفرق بين المصلحة والمفسدة لا يمكنها البقاء في جو الهواء إلا بإمساك الله تعالى.

والسؤال الثاني: أنه تعالى قال في سورة النحل:"أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلّا اللَّهُ"فلا جرم كان إمساكها هاهنا محض الألوهية، وذكرها هنا أنها صافات قابضات فكان لا يكون إلهامها إلا هذا التصفيف والقبض على الوجه المطابق للمصلحة والمنفعة من كمال رحمته، ثم قال إنه بكل شيء بصير والمراد بالبصيرة كونه تعالى عالما بالأشياء الدقيقة وحاصل الأمر أن إمساكها في جو السماء فعل على خلاف الطبائع وأبطل الخواص ودلّ كون هذا الفعل محكما متقنا مطابقا للمصلحة على كون ذلك المدبر القادر عالما بجميع المعلومات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرضين والسماوات فهذا ما يتعلق بهذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت