الطب نظرا إلى أنّ موضوع علم الهيأة أشرف من موضوع علم الطب، وإن كان علم الطب أشرف من حيث أنّ الحاجة إلى علم الطب أشد، وعلم الحساب أشرف منهما من حيث أن براهين هذا العلم أقوى، وعلم الأصول يستجمع لهذه الخصال:
أما شرف الموضوع فذلك لأن المبحوث عنه ذات اللَّه وصفاته وقدسه وعظمته، ولا شكّ أنها أشرف، وأما شدة الحاجة فظاهر، لأن الحاجة إما في الدين وإما في الدنيا، أما في الدين فلأن من عرف هذه المطالب استحق الثواب العظيم وتخلص عن العقاب العظيم [1] ، وصار من زمرة الملائكة المقربين في جوار رب العالمين، ومن جهلها صار محروما من الثواب العظيم مستوجبا للعقاب الأليم وصار من زمرة الأبالسة والشياطين، وبقي في دركات الضلالة أبد الآباد ودهر الداهرين وأما في الدنيا، فلأن معظم مصالح العالم إنما تنتظم بسبب الرغبة في الثواب والرهبة من العقاب وإلا لوقع الهرج والمرج في العالم.
وأما قوة براهين هذا العلم فلأن براهينها مركبة من المقدمات البديهية الضرورية، وهي أقوى العلوم والمعارف فثبت أنّ علم الأصول مستجمع خصال الشرف فوجب أنّ يكون أشرف العلوم.
الحجة الخامسة: أنّ هذا العلم لا يتطرق إليه النسخ والتغيير ولا يختلف باختلاف النواحي والأمم بخلاف سائر العلوم فوجب أنّ يكون أشرف العلوم.
الحجة السادسة: أنّ الإنسان لا يكون من أهل النجاة والدرجات إلا مع هذا العلم، وقد يكون من أهل النجاة وإن لم يتعلم شيئا من الفقه أصلا وألبتة.
(1) العظيم: كذا في الأصل، والظاهر: الأليم بقرينة قوله في الفقرة الآتية: (الْعَذابَ الْأَلِيمَ) .