رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [1] وذلك لأن التحدي وقع بكل القرآن في قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [2] فلما عجزوا عن معارضة كل القرآن أتبعه بالتحدي بعشر سور من القرآن فقال: بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ فلما عجزوا عنه اتبعه بالتحدي بسورة فقال هاهنا: (بسورة من مثله) فلما عجزوا عنه اتبعه بالتحدي بآية: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ) [3] فلما عجزوا عنه مع توفر الداعي ظهر كونه معجزا باهرا وبرهانا قاهرا.
ثم إنه أتبع هذه المسألة بمسألة المعاد وهي قوله تعالى:
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [4]
كأنه قيل إنا قدمنا مدح المؤمنين وذم الكافرين والمنافقين فلو لم يكن معاد يجد المحسن ثمرة إحسانه ويجد المسيء عاقبة إساءته لم يكن ذلك لائقا بحكمتي وهذا هو المراد في قوله في"النجم"لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [5] .
وقال تعالى في"طه"وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [6] وقال في"ص"أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ [7] وظهر بما ذكرنا أنه تعالى لم يذكر
(1) البقرة: (23) .
(2) الإسراء: (88) .
(3) الطور: (34) .
(4) البقرة: (25) .
(5) النجم: (31) .
(6) طه: (14) - (15) .
(7) ص: (28) .