أقول: مع ذلك فإن هذا الاتجاه غاب عن الساحة اللغوية ولم يصلنا منه الاّ سطر هنا كهذا أو سطر آخر هناك ومثل هذا الأمر واضح جدًا إذا علمنا أن الاتهام موجَّه الى هذا الاتجاه في ذلك السطر الوحيد أيضا كونه اتجاه يحمل ( شبهات ) ـ لا فكرة معينة يجب احترامها ولا أطروحة يتوجب الوقوف عليها .
ويكتفي السيوطي بالرد على ( الشبهة ) ـ بسطر واحد قائلًا:
( وهذه شبهة باطلة لو سقط المجاز من القرآن سقط منه"شطر الحسن"فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ) 1
وبمثل هذه العبارة تم القضاء على ذلك الاتجاه في مهده . وبالطبع يتجنب علماء الاعتباط الإجابة على الاشكالات المنطقية للاتجاه والمتضمنة علاقة تعريفه بما يجوز أو لا يجوز على الخالق عزّ وجل . وذلك لأن هذا هو موضوعهم ، وقد برهنت على نحوٍ واضحٍ جدًا أن هدف الحل الاعتباطي هو القرآن وليس القرآن هو ( الموضوع ) الذي يستقي منه الحل الاعتباطي ركائزه . وصورة هذه الفكرة قد توضحت لدى مناقشة بلاغة الجرجاني وخلاصتها أنه إذا كان لا يمكن للخلق أن يأتوا بمثل القرآن ، فان الحل الآخر هو أن يكون القرآن مثل كلام الخلق . ولا نشكُّ مطلقًا في قصدية الحل الاعتباطي لهذا الهدف وهو ما يظهر جليًا عند دراسة كتاب"إعجاز القرآن"للجرجاني حيث النتيجة المحتومة من الدراسة والتي تستعمل الأسلوب الإحصائي تبيّن على نحوٍ واضحٍ أن الغاية هي أن يفهم المتلقي بالنتيجة ( الأوجه الإعجازية ) للشواهد جميعًا والتي حضى القرآن الكريم بالنصيب الأدنى منها ـ أو خلت أحيانًا من الشاهد القرآني .