ومن جهة أخرى فهناك خلل فاضح: فالمجاز على التعريف هو ليس الإتيان بلفظ بدل لفظ ( الأول الداخل على الجملة هو المجازي والمتروك هو الحقيقي ) وإنما هو العدول عن معنى اللفظ الحقيقي الى معنى آخر مجازي . فلو كان التعريف هو تبدّل الفاظ مع بعضها لكان يصحّ ، إذ نتصور أن المتكلم يريد في الأصل أن يقول ( المجلس الحقير ) فعدل الى لفظ ( السامي ) ، ولكنه لم يغير معنى السامي بل أبقاه على معناه وهذا هو منشأ التحقير من حيث أنه مخالف للواقع .
فالاستعمال له حقيقتان: داخلية في التركيب وخارجية في الانطباق على الموضوع الخارجي . والإعتباطية من الجرجاني الى سوسير لا تفتأ تخلط بينهما خلطًا فاضحًا بل ومخزيًا . وهذا الخلط يهتك عملية ( التعبير ) وفي النهاية يحطّم النظام اللغوي . وهو مخالف ومناقض لأسس الإعتباطية نفسها ومن بينها أن اللغة رموز من الإشارات ـ فهي إذن مستقلة عن الموضوع ـ ولولا هذا الاستقلال لما كانت هناك قدرات متفاوتة على ( التعبير ) عن نفس الفكرة بتراكيب مختلفة قربًا وبعدًا في الانطباق على الموضوع الخارجي ولولا ذلك لكانت الإشارات والمشار إليه شيئًا واحدًا ولكانت اللغة جامدة جمود الصخر .
وهذا التصور في الإعتباطية قد أدّى الى تجميد اللغة . حيث اعترف بذلك العشرات من الباحثين ، بحيث ادعى ( فصحاء وبلغاء ) أنهم لم يقدروا بعد بلاغة الجرجاني والسكاكي من ( إنشاء جملة واحدة بشجاعة تامة ) ـ لأنها قد تكون مخالفة لشروط بلاغتهما . وكذلك أدّى هذا التصوّر الى نفس النتيجة في الغرب ـ وقد علّقنا باسلوب قصصي ولمّا نزل في مرحلة الدراسة الثانوية على هذا العمل بالقول الذي كنّا نتهيّب من إعلانه: